تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبلغ يزيدَ بن أبى سفيان الموجودَ فى دمشق زحفُ الروم نحوه،فخرج لقتالهم دون أن يدرى هو ولا الروم أن خالد بن الوليد قد انفصل بقطعة من الجيش وسار فى ذيل توذرا ومن معه وما بين أحلام كاذبة وخططٍ فاشلةٍ وقع الروم بين فكى الأسد،فلاقاهم يزيد من ناحية،وحصرهم خالد من ناحية،وحصد الموت كثيرا من الرومان حتى نفذ إلى قائدهم،ولم يفلت منهم إلا الشارد الهارب.. وغنم المسلمون منهم أموالا عظيمة،قسَّمها يزيد فى جنده وجند ابن الوليد...

كانت بعلبك إحدى المدن التى تعددت فيها معادن الناس،ما بين عربى ورومى وفارسى،فبدت اللوحة الاجتماعية لأهلها عجيبةً متدرجة فى ألوان الناس وعُجْمَةِ ألسنتهم وعروبتها،واختار أبو عبيدة فى تحركه لفتح حِمْصَ أن يمر بالطريق الذى تقع عليه بعلبك،فهبط عليها يريد فتحها،وهو يعلم أن شأنها بالقياس إلى مدن الشام العريقة وحواضرها الكبيرة ـ ليس كبيرًا،وقبل أن يعاجلها بطلب التسليم أو القتال،كان أهل المدينة قد عرفوا أقدارَهم،وأنهم لا طاقة لهم بالمسلمين،خاصة بعد الانتصارات الكبيرة التى حققوها فى اليرموكِ ودمشق وفحل...

خرج وفد من بعلبك يَلْقَوْنَ أبا عبيدة بعلامات الاستسلام،طالبين منه الصلحَ،فصالحهم،وأمَّنهم على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم،وكتب لهم كتابا بذلك.

بعد النَّصْرَيْنِ فى دمشق وفحل جاء الدورعلى حِمص التى كُلف بها جيشُ أبي عبيدة منذ انطلق من المدينة،وحمصُ لو سقطت فى يد المسلمين فلن يبقى لهرقلَ بعدها شيء يبقى لأجله فى سوريةَ والشام،لذا أعد عدته،وجَيَّش جيوشه فبعث توذرا فى جيش نزل غربى دمشق،وسَيَّر شُنش فى عسكر كثيف ليمضى إلى حِمْصَ نفسِها ويحميَها من السقوط فى يد المسلمين.. هذا بينما كان أبو عبيدة يطوى الأرض طيا ماضيا إلى الشمال نحو المدينة العريقة حِمْصَ،وفَتَحَ بعلبك وهو فى طريقه إليها وصالح أهلها..

وفى مَرْجِ الروم كان افتتاح القتال والصراع حول حمص،حيث قاتل أبو عبيدة بقواته جيش شُنش فى معركة شرسة،وأما توذرا فغرَّتْه نفسُه،وطمع فى استرداد دمشق،فتوجه إليها يتبعه خالد بن الوليد،لتقع معركة أخرى حامية تحقق فيها النصر للمسلمين أيضا..

وخلا طريق المسلمين إلى حمص فحاصروها حصارا شديدا،لم يخفف منه بردُ الشتاء ولا صقيعُه،وكان صبر المحاصِرين أشدَّ من صبر المحصورين حتى انسلخ الشتاءُ الذى خيب أمل الروم،فزاد حصار المسلمين لهم.. ورغب بعض أهل المدينة العتيقة فى الصلح،لكن بقية القوم رفضوا ذلك،واغترُّوا بقرب هرقل منهم..

وبينما الموقف متجمد بهذه الطريقة،فلا المسلمون قادرون على فتح المدينة،ولا أهلها قادرون على رفع الحصار عنهم ـ كبَّر المسلمون فى صوت واحد ارتجَّت له المدينة،حتى أصاب الرعبُ أهلَها،وظنوا أن

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٤٢