تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حالَ بينهم وبين عدوهم،لكن أهل فحل حُصِروا،فكانوا أولَ محصورٍ فى الشام فى فتوح المسلمين لها ... وقد فرغت يدا أبي عبيدة من فتح دمشق ثم اتجه إلى فحل ليصفي الوجود الرومى هناك.

وقفت دمشق حائرة بين فريقين: أحدهما حرَّفَ شريعة نبيه واخترع فى ملَّتِه ما ليس منها،والآخر نجم سطع فجأة بالشريعة المستقيمة التى نسخت ما سبقها،وسرُّ حيرة دمشق أنها ترجو أن ترفع فى سمائها راية الحق وحدها مكتوبا عليها:لا إله إلا الله محمد رسول الله....

لكن كيف ذلك والحصون والأسوار تخنقها من كل جهة فما من نقطة حول المدينة إلا وعليها حصن أو باب حصن أو سور،وتحت السور خندق مملوء بالماء،ووراء كل ذلك حرس يقظان ليل نهار؟!

لكن متى كان عدد العدو وعتاده أو جنوده وحصونه سببا فى هزيمة المسلمين؟ إنهم يعلمون أن أكبر ثغرة يمكن أن ينتصر العدو من خلالها هى الذنوب والمعاصى،لأنها توقع خصاما بين العبد وبين السماء،فلا يرتفع منه إلى الله نداء،ولا يصعد منه إلى مولاه دعاء،لذلك كان قادة المسلمين يحذرون رجالَهم دائما من الذنوب،وخاصة أبا عبيدة الذى تحرك بجنودة من مَرْجِ الصُّفَّر إلى دمشق،فكان أول ما بدأ به منها أن احتل الغُوطَةَ،كى يقطع عن دمشق أى مساعدات من جهتها..

ويتقدم جيش المسلمين ليضرب حصارًا حديديًا حول دمشق،فينزل كل قائد منهم بجنوده على باب من أبواب المدينة الحصينة منتظرين فرصة لاقتحامها،ناصبين المجانيق والدبابات... وصبر المحصورون على ذلك صبرا شديدا،رجاء أن يصلهم مدد من هرقل.

مازال هرقل يخط فى صفحات التاريخ محاولاتٍ يائسةً لدفع قدر الله،فيرسل إلى دمشق مددا،خشية أن تسقط،فيأتى الدور على حمص،ويرث المسلمون كلَّ ما تحت قدميه من المدن..

ويخرج هذا المدد،فلا يجد إلا خيل ذى الكَلاع الحِمْيَرى التى بين دمشق وحِمْصَ فى انتظاره،فانشغل بها المدد عن إغاثة أهل دمشق،وفكِّ الحصار عنهم،فعسكر فى مقابل خيل المسلمين،وتجمد الموقف تحت صقيع الخوف والتحسب..

وبقيت دمشق تحت الحصار،يتراكم اليأس على نفوس أهلها،حتى لم يعد لهم شيء يثقون فيه ويعتمدون عليه سوى قوة تحصينات المدينة والشتاء المنتظر بصقيعه الشديد بينما قَوِى الأملُ فى نفوس جنود الحق،ورأوا وعود الإسلام بفتح هذه الأماكن تتحقق أمام عيونهم.

دخل الشتاء ومازال المحاصرون مقيمين حول دمشق،فانتفخ الأمل لدى الرومان مع اشتداد البرد كما ينتفخ الورم،وظنوا أن المسلمين مثلُ كلِّ مَنْ حاصر دمشق من قبل،سيحملون أمتعتهم ويرحلون حين يَعَضُّهم البرد والشتاء.

ولكن المسلمين ظلوا يلبسون ثياب الصبر والمصابرة،حتى تبخر الأمل فى رحيلهم من نفوس الرومان،ورأوا الشتاء يزيد المسلمين صلابة،وتلك هى روح الإيمان التى تجعل صاحبها فى مواقف القوة أصلب من الصخور،وفى مواضع اللين أرق من نسمة الهواء وقطرة الندى .

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٤٠