وينطلق جيش اليرموك المنتصر يقوده أبو عبيدة بن الجراح،وهو يريد أمرين: اتباعَ المنهزمين من الروم يوم اليرموك،وفتحَ دمشق،وبينما هو على هذه الحال تأتيه الأنباء بأن منهزمى الرومان قد لملموا أشتاتهم،وتجمعوا فى عدد كبير بفحل من الأردنّ،وأن أهل دمشق قد جاءهم مدد كبير من حمص فحار أبو عبيدة بأيهما يبدأ: أبقتال أهل فحل أم بحرب أهل دمشق؟ وبعد استشارة أمير المؤمنين استقر الرأى على البدء بدمشق،وشَغْلِ أهل فحل عن القتال ببعض خيالة المسلمين..
ويؤَمِّن القائد أبو عبيدة سير جنوده إلى دمشق،فيرسل فرقه العسكرية بين المدينة وما جاورها من المدن والأنحاء المكدسة بقوات الروم وأنصارِهم،ثم يضرب حصارَه حول دمشق من كل جهاتها..
ومرت أشهر: فلا المسلمون رحلوا،ولا أهل دمشق سلَّموا،وفى شهر رجب من سنة أربع عشرة من الهجرة اقتحم خالد بن الوليد المدينةَ من بابها الشرقى بالقوة،ودخلها المسلمون من بقية الأبواب صلحًا،وأقر المسلمون الصلحَ مع أهل دمشق،فكان الفتح نصرًا عزيزًا للمسلمين،وهزيمة جديدة وثقيلة للرومان فى بلاد الشام،وقد حاولوا فيما بعدُ استردادَ دمشق ولكنهم فشلوا،لتبقى فى أحضان المسلمين وحوزتهم،بل اتسع سلطان المسلمين هناك بما فتحه يزيد بن أبى سفيان من مدن الساحل المقابلِ لدمشق.
النصر لا يعرف الغفلة مهما تكن قوة الإعداد وكثرة الأعداد،ودمشق تحيط بها مدن مكدسة بجموع الروم،فى حِمْصَ وفلسطين وفحل،فكيف تلتقط هذه الجوهرة الغالية من بين أنياب المتحفزين؟!
أيقن أبو عبيدة أن دمشق لن تفتح مادامت ظهور المسلمين فى خطر،وليست دمشق مدينة سهلة الفتح حتى يقاتل المسلمون مَنْ فيها ويردوا مَنْ يأتيهم من الخلف.
لذا بعث أبو عبيدة بفرق المقاتلين لتعسكر بين دمشق وما أحاط بها،فسارت فرقة من جنود الخيالة إلى فحل لتشاغل جيش الروم هناك،وسار ذو الكَلاع فى فرقة أخرى لترابط بين دمشق وحمص،وتحُول دون وصول إمدادات إلى دمشق من الشمال،وأما يزيد بن أبى سفيان فقد بعثه أبو عبيدة ليرابط بين دمشق وفلسطين،فى حين رابط أبو الدرداء فى برزة على مقربة من دمشق حماية عامة لجيش الفتح الإسلامى .
كان جُرح اليرموك فى نفوس الروم عميقا،فاجتمع الفارُّون منهم بفحل،يراودهم أمل فى النصر،لكنه محاط بغيوم من الشك والخوف،فبعث إليهم أبو عبيدة فرقة من عساكره تقطع عنهم الأمل إذا وسوست لهم أنفسهم أن يهاجموا ظهور المسلمين المتجهين إلى دمشق..
وسارت هذه الفرقة من مَرْجِ الصُّفَّر التى نزلها المسلمون بعد انتصار اليرموك،إلى موضع قريب من فحل،فقطعت وساوسَ الروم عن مهاجمة المسلمين على أبواب دمشق،بل خافوا على أنفسهم فأوحى إليهم الجُبْن أن يُغرقوا الأرض بينهم وبين المسلمين بالماء،فصارت وحلا صعبا،حزن المسلمون له،لأنه