تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت دعوات الشيوخ والعجائز والنساء من المسلمين بالمدينة المنورة تصل إلى إخوانهم بالشام فتمطر عليهم فى وقعة اليرموك نصرًا لا تصنعه السيوف وحدها.. ومن المدينة أيضا وبينما المسلمون يكتبون سطرًا من سطور التاريخ المجيدة جاء كتابٌ حزينٌ يخبر بوفاة الصِّدِّيقِ،وتَوَلِّى عمر بن الخطاب الذى سلَّم القيادة العامة لجيوش الشام إلى أبي عبيدة بدلا من خالد بن الوليد.

وفى زمن الخليفة الثانى سقطتْ دُرَرُ الشام ولآلِئُها فى يد المسلمين،ففتحوا دمشق عاصمةَ المجد وما يتبعها من المدن والشواطئ،كما وطِئَتْ خيولُهم حِمْصَ وقِنَّسْرِينَ وما حولها،وأسلمت الأُردنُّ إلى المسلمين قلائدَها الذهبية،وفَتحت فِلَسْطِينُ أمامهم أبوابَها السماويةَ..

وأصاب المسلمين بلاءٌ عظيم بطاعون عَمَواس،الذى ماتت فيه كوكبة من الصحابة المجاهدين وغيرهم،وبقى المسلمون بعدها فى الشام يثبتون أقدامهم،ويكافحون الانتفاضاتِ ومحاولاتِ الاسترجاع الرومانيةَ حتى توفي أمير المؤمنين عمر بعد أن زار الشام ليمسحَ عن رعيته الآلام النفسية التى أصابتهم مع الطاعون ونظمَ شؤون البلاد.

لم تكن اليرموك بموقعها وأثرها الخطير فى فتوح الشام سوى واحدةٍ من معارك فتح الأردنّ،وجاءت بعدها عدة معارك خضعت الأردنّ كلها على أثرها للمسلمين،وسلَّمت إليهم قيادَها،وعلى رأس هذه المعارك موقعة فحل التى تجمع فيها المنهزمون من أهل اليرموك إلى قوات أخرى من الروم،وقاد الحرب شُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ الموَكَّل به وبجيشه فتح الأردنّ،وبعد النصر استعان شُرَحْبِيلُ بقوات عمرو بن العاص حتى فتح بَيْسَان،وفتح أبو الأعور السلمى طَبَرِيَّةَ صلحًا،وتم خضوع الأردنِّ لجيش شُرَحْبيل ففتح سوسِيَّةَ وجَرَشَ والجَوْلان وغلب على سواد الأردنِّ وجميعِ أرضها.

كره المسلمون بعد فتحهم دمشق أن يواجهوا هرقل فى حمص وخلفهم ثمانون ألفا من الروم فى فحل،ولذا قرروا أن يلتفتوا إلى هؤلاء أولا،فتحرك المسلمون يقودهم شُرَحْبِيل بنُ حَسَنَة جهةَ فحل،يشغل بالَهم ذلك الطين والوحل الهائل الذى صنعه الروم ليمنعوا وصول المسلمين إليهم،إن هذا الوحل لا تثبت فيه أقدام بشر ولا حوافر فرس،فأى كيدٍ جبانٍ صنعه الأعداء.. ويسلم المسلمون أمرَهم إلى الله ويزحفون نحو فحل حتى التقوا بأبى الأعور السلمى المحاصِر لفحل،فيوجهه أبو عبيدة لفتح طَبَرِيَّة،ويتواصل الزحف نحو فحل فإذا بأهلها قد هجروها ونزلوا بَيْسانَ،فنزل شُرَحْبِيل بجنده أمامهم فى فحل.

وبينما كان الروم يمكرون،ويبيتون فى الظلام خدعةً للمسلمين حرص القائد شُرَحْبيل على أن يكون المسلمون على تعبئة واستعداد ليل نهار،حتى يأتيهم رأى أمير المؤمنين من المدينة. وجاء مكر الروم وخدعتهم فى هيئة هجوم ليلى مباغت على المسلمين،لكنهم فوجئوا هم أيضا بيقظةِ المسلمين وانتباههم لهم فنهض المسلمون للروم كما ينهض الأسد للذئب،وقاتلوهم قتالا شديدا حتى طلع الصباح دون أن يكشف عن نصر لأى من الفريقين فلما جاء الليل أُنهِك الروم،وسيطر عليهم التعب

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٣٦