وقف خالد بن الوليد فى المعركة وعيناه كعينى الصقر،يرقب الموقف،ويتابع سير الحرب،ويدبر أمر القتال ببراعة،ويبعث إلى قومٍ من أصحابه بما ينبغى أن يفعلوه،فلما رأى ميمنة المسلمين تنهار مقاومتها أمام ميسرة الروم،حمل بالخيالة على الروم،وكل بطل معه يحمل الموت لعدوه فى حد سيفه،فنفد صبر الروم ومقاومتهم أمام هؤلاء الذين أقبلوا لا يخشون الموت ولا يهابون سيفا ولا رمحا،فتراجع العدو،وأوسع فيهم المسلمون قتلا،وأطعموا الأرض ستة آلاف قتيل من الرومان.
ويشد خالد من أزر رجاله ويقسم لمن حوله بالذى خلق السموات والأرض: " والذى نفسى بيده،لم يبق عندهم من الصبر والجلَد غير ما رأيتم،وإنى لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم " ثم حمل بمائة فارس على جمع كبير من الروم،فكثرت القلة بالإيمان،وقلت الكثرة بالشرك والكفران..وطمع خالد فى الروم أكثر من ذلك،حتى فوجئ به العدو يقف بين صفوفهم،فسيطر عليهم الخوف،وهزمهم الرعب من داخلهم،فكان راكبو الخيول منهم أكثر قدرة على الفرار والنجاة بأنفسهم،وتركوا زملاءهم من المشاة لتحصدهم السيوف حصدا،ويحل ظلام الليل وأرواح جنود الروم تسيل على سيوف المسلمين سيلا،حتى قُتل منهم مائة وعشرون ألفا،من بينهم القائدُ العامُّ شقيقُ هرقلَ تَذَارقُ الذى أكمل خالد الليل فى خيمته.
ونال أعظم الحسنيين " الشهادة " ثلاثةُ آلافٍ من المسلمين،فيهم عدد من الصحابة.
في وسط الضجة العالية للسيوف،وصيحات القتل والموت،يأتى مَنْ يتحدث فى أذن خالد بن الوليد بأنه يحمل بريدا من المدينة،ويفتح خالد الكتاب ليقرأ كلماتِ أبي بكر،وتمر عيناه بسطور الكتاب فإذا هو ليس من أبي بكر،بل هو يَنْعِى الصديق ويخبر بوفاته،وأن عمر بن الخطاب،قد تولى بعده،وأمر الخليفة الجديد بتولية أبي عبيدة القيادةَ العامةَ لجيوش الشام.
اجتاحت نفسَ خالد حيرةٌ وحزنٌ،لكنه قرر سريعا ألا يُعلِم المسلمين بما انطوت عليه رسالة المدينة،حتى لا يتسرب إليهم الضعف والوهَن،حزنا على صاحب رسول الله ورفيقه العظيم.
واشتغل ابن الوليد بما كان فيه من تدبير أمور الحرب،وأوقف الرسول الذى جاء بالكتاب إلى جانبه.
في لوحة خالد بن الوليد النفسيةِ عَظُمَتْ قيمةُ المبادئ التي يؤمن بها،والعقيدةِ التي يعتنقها وصَغُرَ عنده وزن نفسِه،حتى تراه بعد أن هدأت الحرب،وأسلم الرومان أنفسهم للموت أو الهرب ـ مقبلاً يخبر المسلمين بما حمله البريد إليهم من وفاة أبي بكر ـ رضى الله عنه،وتولية عمر،وجاء إلى أبي عبيدة يسلمه قيادة المسلمين بالشام،راضِى النفسِ،بعد هذا النصر الذى تحقق بإذن الله تحت قيادته.
ويالَها من أنفسٍ ذابت حبا لدينها،فلم تنجح الدنيا فى التفريق بينها،فما انشغلوا بالنزاع على القيادة بل انشغلوا بالحزن على هذا الرجل الذى ودع: أبي بكر،حتى لم يكن حزنهم عليه أقل من فرحهم بالنصر على عدوِّهم!