والإعياء،وحاروا وسط الظلام،فأخذتْهم سيوف المسلمين حتى هزموا وقُتل قائدهم فى هذه الواقعة سقلار بن مخراق،وفرَّ مَنْ بقى من الرومان لا يدرون إلى أين يتجهون،فأسلمتهم الهزيمةُ والفرارُ إلى الوحل الذى صنعوه بأيديهم كيدا للمسلمين،فوخزهم المسلمون بأطراف الرماح فحاقت بهم هزيمة فادحة،ولم ينج منهم إلا الشريد الهارب.
بعد الانتصار فى فحل انفتح الطريق أمام المسلمين إلى بَيْسان،وأصبح سقوطها مسألةَ وقتٍ،فنهض إليها شُرَحْبِيل بن حَسَنَةَ ومعه عمرو بن العاص،وكانت أنباء فتح دمشق وما لقى الروم فى فحل قد سبقت المسلمين مدوية فى كل أنحاء الأرض،واختطف الخوف والرعب قلوبَ أهل بيسان،فهم إن تحصنوا فى مدنهم حوصروا وقهروا،وإن خرجوا للقتال حوربوا وغُلبوا..
فلما نزل المسلمون بَيْسان،وجدوها قد اختبأت فى جلدها،وتحصنت بكل شيء لديها ولكن هل تبلغ تحصيناتُها ما بلغتْه دمشق؟! هذا أمر صعب وبعيد،ولذلك خرج الرومان وأعوانهم للقتال،فشربوا كئوسَ الهزيمة مملوءة،ولم يكن لهم ملجأ سوى طلب الصلح،فقبل المسلمون منهم ذلك،ولم يتعنتوا معهم،وصالحوهم على مثل صلح دمشق.
الكلام أسرع انتشارا من الجيوش،وأسبق أثرا منها،وقد سعت أخبار فتوحات المسلمين وانتصاراتهم إلى أنحاء الشام على غير قدمين،فكان ذلك جنديا يقف فى صف المسلمين،ويقنع الأعداء بأنه لا فائدة من مقاومة كتائب الشهداء الأحياء من المسلمين..
وصل أبو الأعور السلمى إلى طَبَرِيَّة فى فريق من جيش المسلمين يسبقهم الرعب والخوف إلى الأعداء،فطلب أهل طَبَرِيَّةَ الصلح،وقبل المسلمون على شروط صلح دمشق.
وتولى شُرَحْبِيلُ إتمام ما كلفته الخلافة به من فتح الأردنّ،فمال إلى سُوسِيَّةَ ففتحها،وأخذ يلتقط مدن الأردنّ وقراها من الروم واحدة تلو الأخرى،كما يلتقط الطائر الحبَّ،ففتح أَفِيقَ،وجَرَشَ،وبَيْتَ رَأْس،وقَدَسَ،والجَوْلانَ،وغلب على سواد الأردنّ وجميعِ أرضها.
وبهذا أصبح المسلمون على أبواب فِلَسْطِينَ لتبدأ ملاحمها وفتوحاتها العظيمة عقب الانتهاء من فتح حمص وما يلحقها.
هنا وجوه فرحة مستبشرة بنصر الله،وهناك وجوه عابسةٌ متشائمةٌ قد ركبها الحزن،فأما هنا ففى المدينة المنورة وحول مسجد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - حيث يهنئى المسلمون بعضهم بعضا بالنصر فى اليرموك،وأما هناك ففى الشام قرب المسجد الأقصى حيث تصل هذه الأنباء إلى هرقلَ وأتباعِه فيُصْعَقون.
ويأمر أميرُ المؤمنين الجديد بتنفيذ وصية أبي بكر وإعادة جند العراق إلى جبهة القتال مع فارس،بينما ينسحب هرقلُ إلى الوراء والكآبة تكاد تقتله،ويجعل حِمْصَ بينه وبين المسلمين،ويقوِّى دفاعاتِه بها وبدمشق،ويترك على كل مدينة أميرا يتولاها.