تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويكونَ الدينُ كلُّه لله.. )،حتى يصل صوت دعوة الله إلى الناس جميعا،فلا يكون لأحد على الله حجةٌ بعد البلاغ.

فلما تقارب الخَصْمان تقدم أبو عبيدة فى نفرٍ من المسلمين،ونادَوْا بأنهم يريدون أميرَ جيوش الروم،فلما دخلوا عليه وجدوه عبدَ دنيا: خيمتُه من حرير وبُسطُه التى يدوسها بأقدامه ويقعد عليها من حرير،فأبَوْا إلا جلوسَ المؤمنِ المتواضعِ بعيدًا عن هذا الزخرف...

ويقعد أمير جيش الروم تلميذا بين يد أساتذة الدنيا وتلاميذ محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ،يعرضون عليه الإسلام عزَّ الدنيا والآخرةِ،فإن كان يعجبه دينه فالجزية،وإلا فالحرب حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.

قالوا ذلك فى غير رهبة،فثقتُهم فى الله أقوى من جيوش الروم وعتادهم،وقالوه فى غيرِ كِبْرٍ؛ لأن حبهم لإيمان عدوهم أكبر من حبهم لذهب كسرى وقيصر.

وكان الكبر والتعنت سيدَ الموقف الرومانى،فأبوا إلا الحرب...

الحرب صامتة،لكن هناك فارسين يتلاعبان فوق الخيول ويتقدمان لإزالة هذا الصمت،عكرمة بن أبى جهل والقعقاع بن عمرو،والحرب عندهما أنشودة يغنيها السيف،وراحا مع ذلك ينشدان بالفم،حتى ابتدأت المبارزات الفردية وكأنها إحماء الأبطال بين يدى المعركة..

وسرعان مادنت صفوف المسلمين من صفوف الروم حتى التحم الجيشان وعض كل فريق على أسنانه،وقاتلوا قتالا شديدا،ما بين ضرب بالسيف وطعن بالرمح ورمى بالسهم،وحضر الموت يتخطف الناس من هنا وهنا...

وحملتْ ميسرةُ الروم على ميمنة المسلمين حملةً شديدة،حتى زاغت الأبصار،وتردد النفَس الخائف فى صدور الناس،ثم عادت العافية إلى جنود الله وثبتوا ثباتا عجيبا فى وجه عدوهم،وأعاد الروم المحاولة مرة أخرى،فأقبلوا،كأنهم جبال من البشر،يزحفون نحو ميمنة المسلمين،والغبار يرتفع فى سماء المعركة.. ويتراجع المسلمون وفيهم الكثيرمن الأبطال أمام الزحف الرومى الكاسح،وكادت الحرب تأكلهم،لولا أن أفاقت زَبِيدُ بعد التراجع والانهزام،وراح رجالها ينادى بعضهم بعضا بميثاق الدين ثم ميثاق الدم،حتى رجعوا فحملوا على الروم حملةً شديدةً بعمق إيمانهم وحماستهم،حتى هزوا أعداء الله وردوهم عن تتبع من فر من المسلمين.

وجاء دور خَيَّالة القائد خالد بن الوليد،حيث هاجموا الروم حتى دخلوا بين صفوفهم،وأروهم الموت الأحمر،ففزعوا وامتلأت قلوبهم رعبا،ولم ينفعهم عدد ولاعتاد،وظلوا ينهزمون ويتراجعون بين يدى المسلمين حتى دخل خالد بن الوليد خيمةَ قائدِهم الأكبرِ،وأكمل فيها الليل.

وبينما الحرب متقدةٌ،والقتال على أشُدِّه جاء البريد من المدينة بأخبار رأى القائد الحكيم خالدُ أن يؤجل إعلانَها حتى تضع الحرب أوزارها.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٣٤