وتزين جيش اليرموك بألف من صحابة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ،بينهم مائة من أهل بدر،وخرجوا جميعا فى تعبئة لم تعبّئ العربُ مثلَها قَطّ.
صمت كل شيء،وجاء دور السيوف والرماح والسهام لكي تقول رأيها.. فأقبلت الروم فى خُيَلائها وفخرها،وقد ملأوا البُقعةَ؛ سهلَها ووعْرَها،كأنهم غَمامة سوداء،يرفعون الصليب ولهم أصوات كالرعد،والقساوسة والبطارقة يُحرضونهم على القتال،ويَتْلون الإنجيل.
وخرج المسلمون،والمائة من أهل بدر يسترجعون ذكرياتِ لقائهم الأول مع الكفر،يومَ غَلَبُوا الفئةَ الكثيرة المشركةَ بإذن الله،وبقيةُ المسلمين يسترجعون ما ذُكر ورُوي لهم من أحداث بدر،وخاصة حينما يسمعون المقداد يقرأعليهم سورة الأنفال.
وكان الصحابة جبالَ صبرٍ ويقينٍ يرون كلَّ هذه الجموع من الرومان جبالا من الرماد،أو ظلا لرجل ميت،لكن شيوخ الصحابة،رأوا بعضَ مَنْ حولهم من المسلمين وقد هزهم منظر الرومان حينما صاروا معهم وجها لوجه،فراحوا يُثَبّتون الناس،ويشجعونهم على الجهاد،ويحضونهم على التضحية فى سبيل الله ـ تعالى ـ وتكلم خالد بأن الكثرة تَقِلّ بالخُذلان،وأن القلة تَكْثُرُ بالصبر.
فلما تَرَاءَى الجمعان،وأصبحت السيوف مستعدة للحديث،رأى الأميرُ خالد بن الوليد أن يعدّل فى خطته.
أجال خالدُ بصرَه فيما حوله وفيمن حوله،فرأى أن في الصدمة الأولى خطرا على جيشه؛ لأن الروم ستحاول أن تضرب ضربتَها الكبرى مع هذه الصدمة.. فذهب القائد إلى أبي عبيدة يستشيره في أن يفرق الخيل فرقتين،تتحرك إحداهما وراء الميمنة،والأخرى وراء الميسرة،فإذا ضربت الرومُ ضربتها جالَتْ خيلُ المسلمين وأخذت الرومَ من ورائهم. فامتدح أبو عبيدة هذا الرأى.
وتوزعت خيل المسلمين كجزيرتين وسط هذا البحر الواسع من الرمال والناس،وذهب بإحداهما خالد وراء ميمنة المسلمين،وذهب بالأخرى قيس بن هبيرة وراء الميسرة.. وإتمامًا لهذه الخطة تأخر أبو عبيدة عن القلب إلى وراء الجيش كله،حتى إذا رآه المنهزم استحْيَا ورجع إلى القتال،وقام سعيد بن زيد مكان أبي عبيدة فى قلب الجيش..
حتى النسوة ذهبت منهن الرهبةُ،ووقفن جُدُرًا وراء جيش المسلمين يحملْنَ السيوف لردع مَنْ يريد تَرْكَ الميدان من المسلمين.
وهنا نُنْصِتُ لكي نسمع صوت السيوف وصيحاتِ الأبطال،ولكن حتى فى هذه المرة يتأخر الأمر حتى يَعْرِضَ المسلمون على الروم أن يختاروا واحدة من ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب.
ذهبت الرهبة والتّحَسُّبُ من نفوس المسلمين،وحملوا إلى الروم رايةً تبين غرض خروجهم،فما أخرجهم جَدْبُ بلادِهم ولا فقرُها،وما حملهم إلى الشام غناها ولا ثراءُ أهلِها،وإنما (.. حتى لا تكونَ فتنةٌ