بمحاذاتهم على طريقهم الذي ليس لهم مخرج سواه،فقال عمرو بن العاص: "أبشِروا أيها الناس،فقد حُصِرَتْ ـ واللهِ ـ الرومُ،وقلّما جاء محصورٌ بخير".
أقام كل فريق بمنزله الذى نزل فيه صَفَرًا وربيعًا الأولَ من سنة ثلاث عشرة،لا يقدر أي منهما من الآخر على شيء،ولا يصل بعضهم إلى بعض،لكن الروم لا يخرجون خرجة إلا لحقت بهم الهزيمة،حتى وافى خالد بن الوليد المسلمين فى ربيع الآخر.
كانت نفوس الكثير من المسلمين فى اليرموك قلقةً مرتبكةَ الخُطَا خاصة حينما أتى الرومانَ مدد بإمرة باهان معه القساوسة والشمامسة والرهبان يصدون عن سبيل الله،ويحضون قومَهم ويحرضونهم على نَصر باطلهم.. فتكامل عدد الرومان بهذا المدد مائتين وأربعين ألفا: ثمانون ألف فارس،وثمانون ألف راجل،وثمانون ألفا رُبِطوا بالحديد والحبال؛ ليجبروا أنفسهم على القتال،وليُثبِّت الشجاعُ منهم الجبانَ،وما علموا أن سرعة الجبان عند الفرار أقوى من إقبال الشجاع على القتال!
فلما رأى المسلمون خالدا وجنده ذهب عنهم القلقُ،وفرحوا واستبشروا. ووجد قائد الشام الجديدُ خالد بن الوليد أن المسلمين قد اجتمعوا بمكان واحد ولكن صفوفهم لم تَتَّحِدْ بعدُ،فوحّد قلوبَهم أولاً،وحضّهم على الإخلاص لله ـ تعالى ـ وألا تُفرق الدنيا قلوبهم،ثم قام فنظم جيشه تنظيما عسكريا رائعا،ابتدأت بعده مواجهة العدو فى ساحة القتال.
العِقد ليس فقط أحفظَ للخَرَزِ من التشتت،ولكنه أيضا أجملُ هيئةً وأرضَى للنفس منظرا.. هذا ما صنعه خالد فى جنده باليرموك،فلم يكتف بجمعهم على قائد واحد،بل راح يوزع عليهم الأدوار،ويؤلف منهم الكتائب،فكانوا أهيبَ فى نفس العدو،وأحفظ لقوتهم من الشتات والضياع فى مقابلة الطوفان الروماني.
وها هو جيش خالد وعِقْده الرائع الذى نَظَمَه فى اليرموك؛ ستة وثلاثون فرقة،أو حتى أربعون،كل واحدة تضم ألف جندى عليهم أمير.. وكل جندى يَشعر بالدفء بجوار أخيه،بعد أن كاد صقيع الفرقة يَصْرَعُهُمْ بين يدي الرومان.
وجُعِل قلبُ المسلمين النابض أبو عبيدة على قلب الجيش،وعمرو بن العاص وشُرَحْبِيل بنُ حَسَنَةَ على الميمنة،ويزيد بن أبي سفيان على الميسرة،وعلى المشاة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص،وعلى الخيالة خالد بن الوليد،وراية الميمنة فى يد معاذ بن جبل،وراية الميسرة مع نفاثة بن أسامة الكناني،وكان أعظمُ الناس مكانةً وأرفعُهم منزلةً أكثرَهم حَمْلا للمسئولية ومشاركةً فى الإعداد للنصر وتحقيقه،فكان أبو الدرداء قاضِيَ الجيش،وأبو سفيان بن حرب قاصَّهم الذي يَعِظُهم ويحضّهم على القتال،والمقدادُ بن عمرو قارئَهم الذى يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآياتِ الجهاد،وعبدُ الله بن مسعود على الغنائم،وقباثُ بن أشْيَم على الطلائع..