الوليد،وكان فتح بُصْرَى فى صيف سنة ثلاث عشرة من الهجرة،وهى أول مدينة يفتحها المسلمون بالشام،بعد وصول مدد خالد بن الوليد من العراق.
يا لعظمة الرجولة المزيَّنةِ بالإيمان حين تُضَحِّى،إنها تعطى وتعطى وتعطى،لاتفرق بين ميدان وميدان مادام الكل طاعةً لله،وقد انتقل خالد بن الوليد بنصف قوات المسلمين بالعراق إلى الشام بعد أن كسر بهم الفرس عدة مرات،ودَوَّخَ قواتِهم فى معاركَ كثيرةٍ،وفى الشام سجل هؤلاء الأبطال آية كبيرة من آيات النصر يوم اليرموك حين شاركوا إخوانهم هناك فى تشتيت شمل الروم،وسقَوْهم كؤوسَ الهزيمة المُرَّةِ.
وقد آن الأوان لكى ترجع هذه الصقور مرة أخرى إلى العراق،فالجبهة هناك تناديهم،جبهة الجموع الغفيرة،والقادة الخبراء،والإمبراطورية المجوسية الشرسة التى حشدت قواتها فى القادسية..
ولما وصلت بشارات النصر فى اليرموك إلى المدينة،كتب عمر بن الخطاب إلى صديقه الحبيب أبي عبيدة يأمره بصرف جنود العراق إلى العراق،ويأمرهم بالحث والإسراع إلى سعد بن أبى وقاص هناك.. وخرج الآلاف العشرة الذين قَدِمَ بهم خالد بن الوليد من قبل،وقد وُضع مكان كل شهيد منهم رجلٌ آخرُمن غيرهم،يقودهم هاشم بن عتبة،وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو،وعلى الميمنة والميسرة عمرو بن مالك الزُّهْرِى،وربعي بن عامر.. وكما يأتى كوب الماء لينقذ العطشان من الهلاك،جاء هؤلاء نجدة لإخوانهم فى معركة القادسية،فانقلب الميزان لصالح المسلمين،وحققوا نصرا كبيرا وبقى خالد بن الوليد إلى جانب أبي عبيدة يجاهد ضد الروم فى الشام،حتى توفاه الله هناك.
رتبت الأقدار موعدَها،واختارت ساحتَها،وموقعَها،تلك المعركة الأم فى صراع المسلمين مع الروم،وحقا لم تكن صراعا على مدينة عتيقة كدمشق أو حِمْصَ،إلا أنها شهدت حشودا عظيمة من الفريقين والمنتصر اليوم سيكون الأقربَ للاستيلاء على مدن الشام ووديانها وحواضرها اجتمع الرومان ونزلوا الواقوصة على ضفاف نهر اليرموك،وعسكر المسلمون بمحاذاتهم فى انتظار قوات خالد بن الوليد القادمة من العراق،وبوصولهم بدأ خالد ينظم جيشه ويوزع الأدوار على رجاله،ولم يستعجل الاصطدام بالعدو عند بدء مواجهته فى ساحة القتال،بل راح يعدِّل فى خطته لتتواءم مع ما رأى من قوات العدو فوزع خيلَه فرقتين لتأخذَ الرومَ من ظهورها إن اشتد ضغطُها على المسلمين... وفى وسط هذا الزحام واللقاء المرتقب لم ينس المسلمون التوجُّهَ إلى الروم بدعوتهم إلى دين الله،وتركِ ماهم عليه من الزَّيْغ والضلال،لكن القلوب كانت فى أغلفة من الغفلة والضلالة.
وراح عكرمةُ بن أبى جهل والقَعْقَاعُ بن عمرو يشعلان فتيلَ الحرب ليشتد وقودُها ويرتفع لهيبها،ما بين تقدمٍ وتراجعٍ،حتى نجحت خطة خالد بن الوليد فى تمزيق شمل الروم والدخول بين صفوفهم.. ومع أن البريد جاء من المدينة يخبر بوفاة أبي بكر وتولية عمر بن الخطاب وعزلِ خالد بن الوليد عن