تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورسمت حركة هذه الكتب شكل المعركة،إذْ أخذ كل من وصل إليه كتاب فى تنفيذ ما أمر به على وجه السرعة،حتى سار خالد بن الوليد بجيشه فى طريق من أصعب الطرق التى مرت بها الجيوش فى التاريخ.

لله رجالٌ حببهم فى أشياءَ فسخروها لطاعته،والتحببِ إليه،والتقربِ منه،وقد أحب خالد بن الوليد الحرب والجهاد فى سبيل الله،حتى صار "سيفَ اللهِ" الذى يَنْعَمُ بالزحف على العدو،ويستريح للكَرِّ والفرِّ فى ساحِ الوغَى .

ها هو الآن يحمل كتابَ أبي بكر إليه بالتوجه إلى الشام،فما أسرع ما ينتقى جنده،ويختار للمثنى مثلَهم،والبطولة عند خالد ليست تهورًا،ولا اندفاعًا أحمقَ،لذلك قرر أن يسلك طريقا يتلاشى الاصطدام فيه بالروم حتى يلتقى بإخوانه فى الشام،فتكون يدهم على عدوهم أقوى ...

ولكن ما هذا الذى يريده خالد؟ أيريد أن يُهلك نفسه وجنده؟! إن الطريق التى اختارها سيتحرك فيها مسيرةَ خمسةِ أيام دون أن تجود عليه صحراؤها بنقطة ماء.

وبدأ قلب الوجود يرتجف خوفا على خالد وجندِه المؤمنين من هذا الهلاك ولكن خالدا يطمئنه بالحجة فيقول: "لابد لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم؛ لئلا تحبسني عن غياث المسلمين" نعم إنه يريد إغاثة المسلمين ونَجْدَتَهم،لذلك عزم هو وجنودُه،فتوكلوا على الله،واحتاطوا للرحلة الصعبة بكل ما يستطيعون بدأ خالد رحلته من الحيرة فاتجه شمالاً إلى قراقِرَ،فسُوَى،ثم مال وانعطف جنوبًا إلى تَدْمُر فالقريتَيْن كل ذلك ولا يخلو أمره من مناوشات وقتال محدود،حتى أتى ثَنِيَّةَ العُقاب،فنشر رايته السوداء رايةَ العزة التي كانت لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فاجتمعت له غسان بمَرْجِ راهطٍ فأغار عليهم وقتل منهم وسَبَى،واتجه صوب بُصْرَى،فوجد شُرَحْبِيل بنَ حَسَنَةَ على أبوابها،ففتحاها معا،ولما وصل خالد بجيشه إلى اليرموك أمطرت على المسلمين سُحُبُ الفرح والاستبشار.

لقد غُلبت القوميةُ المتعصبة أمام الدين منذ القِدَمِ،فها هى قبائل العرب المتنصِّرة بِتُخُوم الشام تعمل خدمًا وحارس بوابة للرومان،وتقف معهم يدا واحدة على المسلمين العرب ... وقرر خالد في مسيره إلى اليرموك أن يكسر شوكة هذه القبائل الصُّلبة،وهى غَسّان،فاتجه إلى قاعدتهم ومدينتهم الأمِّ بُصْرَى،فوجد شُرَحْبِيل بنَ حَسَنَةَ قد سبقه إلى هناك فى أربعة آلاف جندى ..

فقَوِيَ الزِّنْدُ،واشتد العَضُدُ،فقاتلوا القبائل وحلفاءَهم من الرومان خارج المدينة،فلجأت الفئران إلى جحورها من شدة الحرب،ودخلت الرومان وحلفاؤها تتحصن بالمدينة،وتحمي ظهورها ووجوهها من موتٍ مَرير،وعزموا أن يكتبوا إلى هرقل بالمدد.

وأتَى اللهُ أهلَ بُصْرَى من حيث لم يَحتسبوا،فخرج رجل منهم ودل المسلمين على ثغرة يقتحمون منها المدينة،فاقتحموها،وفتحوا أبواب الحصون المُحْكمة،فجَبُنَ الأعداء،وسألوا الأمان،فصالحهم خالد بن

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٢٩