بيزيدَ أخاه معاويةَ،معه جنود من جنود خالد بن سعيد الذين قَدِمُوا معه إلى ذي المروة بعد الهزيمة في مَرْجِ الصُّفَّرِ.
وينساب جيش يزيد بين الصحراء الواسعة كالموج المشتاق إلى شاطئه،فيمر بوادي القُرى،ثم تبوك،فالْجَابِيَة،منتظرًا دوره للمسير إلى شاطئه،وهو فتح دمشق... ولكنْ بينه وبين هذا الشاطئ أهوالٌ وأهوالٌ!
وكان من قَدَرِ هذا الجيش أن تُحقق قطعةٌ منه أولَ نصر للمسلمين على الرومان منذ وصول جيوش أبي بكر إلى الشام،وذلك فى موقعة الْعَرَبَةِ بأرض فِلَسْطِينَ.
لقد تناطحت الفرس والروم تناطُحَ جَبَلَيْنِ لا عَنْزَيْن،فانْهدمت الفرس،ووهن أمرُها.. فهل الرومُ أعلمُ بالحرب من الفرس؟ لا،لا.. ليس بهذا وحده تقاس الأمور،إن فارسَ أشدُّ بأسًا،وأفْتَكُ بالعدو،والروم أوْفَرُ عُدَّةً،وأصْبَرُ على الخَصم،لعل هذا هو ما كان يدور فى ذهن شُرَحْبيل بن حَسَنَةَ وهو يطوي الأرض بجيشه بين المدينة وتبوك،وعينُه على الهدف الذى حدده له أبو بكر الصدّيق: الأردنّ.
لقد قَدِمَ شُرَحْبيل من جبهة فارس وافدًا على الصدّيق،فأمَّرَهُ أبو بكر على جيش من جيوش الشام،ونَدَبَ معه الناسَ،واستعمله على عَمَلِ الوليد بن عقبة،وأخذ من ذي المروة بعضَ أصحاب خالد بن سعيد.
أي مهمة جليلة أُنِيطتْ بك يا ابن العاص،حين تذهب باسم الأمة كلها لتأتي بمفاتيح أرض الأنبياء ومسرى حبيب الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .. أنت لن تَسرِقَها،ولن تَغصِبَها أهلَها،بل ستُعطيها إلى أهلها الحقيقيين،الذين ما حادوا عن منهج الأنبياء،ما زيفوا رسالاتِ السماء..
فَتْحُ فِلَسْطينَ هى مهمة ذلك الجيش الذى وُضِعَ على رأسه عمرو بن العاص،وقد خرج معه من المدينة ثلاثة آلاف،فيهم كثيرٌ من المهاجرين والأنصار،وظل أبو بكر يُتْبِعُه بالأمداد حتى بلغوا سبعة آلاف وخمسمائة جندى. كما أمَّرَهُ الخليفةُ على مَنْ يتطوع معه من بَلِيّ وعُذْرة وسائر قُضاعةَ وما جاورها. وسلك عمرو بجيشه طريق المعْرقَةِ،مارًا على أيْلةَ،عامدا إلى فِلَسطين بعد أنْ ودعه الخليفة الصالح وأوصاه.
لم تعرف الرومُ لعرب الجزيرة علاقةً بالشام قبل الإسلام أنْ يأتوها أفرادا أو قوافلَ صغيرةً تبيع وتشترى،وتستبدل تجارة بتجارة،ثم تحمل متاعها وترجع إلى ديارها وها هم بعد أن جمع الإسلام شاردهم،وألف بين جماعاتهم،يرمون الروم بعشرات الآلاف من المقاتلين.. فأي سحر يحمله هذا الدين حتى جمع هذا الشتات،وجعل منه هذه القوة؟!
لقد فَزِعَ الروم،ودبَّ الخوف إلى قلوبهم المُغَلَّفَةِ بدروع الحديد،فكتبوا إلى هرقلَ على جناح السرعة بما يدور،وكان في بيت المقدس،فنصحهم بما ينفعهم: أن يصالحوا المسلمين على نصف خراج