جنده،وانتهوا إلى ذِي المَرْوَةِ قرب المدينة،فسيطر الروم على الموقف وعلى جيش المسلمين،إلا مَنْ فَرّ على الخيل..
وكان عكرمة بن أبى جهل رجلَ الموقفِ وفارسَ الموقعةِ،إذْ تقهقر عن الشام قريبا منها،وبَقِي يَحمي ظهور المسلمين الذين فروا،حتى ردَّ عنهم الرومان.
وقع فرار خالد بن سعيد أمام الروم على أبي بكر والمسلمين وقوعَ الصاعقةِ،فما من عادة القوم أنْ يَفِرُّوا ولا أنْ يَهْرُبوا من وجه عدوِّهم.. وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بذي المَرْوَةِ يلومُه لومًا شديدًا على ذلك،ويأمره بالبقاء فى موضعه.. كان أبو بكر يَخشى على رجاله الذين يُعِدُّهم للحرب أن يروا وَجْهَ منهزمٍ،فاحتفظ بخالد خارج المدينة،ثم أَذِنَ له بدخولها،وقسم جنوده على أمراء الجيوش المتجهة إلى الشام.. وفى لقائه مع الخليفة شَعَرَ خالد بن سعيد بالندم،واعتذر عما فعله،وأعلن استعدادَه للعودة إلى قتال الروم كجندي فى صفوف المسلمين يَحتسب أجره عند الله ـ تعالى ـ فسار مع جيش شُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةَ،وراح أبو بكر يُوصِي شُرَحْبيلَ بهذا الجندي العزيز الذى أحس بالذل لفراره أمام الروم! ومات خالد شهيدا فى حروب الشام،ومسح بدمه ذنبَ الفرارِ من الزحف!
اقترن ذِكْرُ فارسَ والرومِ فى نفس العربي بالخوف والرهبة،وجاء الإسلام لِيَكْسِرَ من حدّة هذا الخوف وتلك الرهبة،فشجّع أهلَه على عدم الصمت فى وجه أي اعتداء على الإسلام والمسلمين مهما كانت قوة المعتدي،وكتب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى كسرى وقيصرَ يدعوهما إلى دينه فى غير خوف ولا تردد..
وقد آن لخليفته الأولِ أبي بكر أن يجمع الناس تحت لواء الجهاد فى سبيل الله،ليشاركَ مَنْ تأخر إسلامُه أهلَ السابقةِ فى خدمة الدين ورفْعِ رايته،ويتحولَ الدينُ فى حياتهم ـ بحق ـ إلى عَصَبٍ مركزي تدور الحياة حولَه وتُدَارُ به..
وكتب الصديق إلى أهل مكةَ والطائفِ واليمن،وإلى جميع العرب بنجد والحجاز،يستنفرهم للجهاد فى سبيل الله ونشرِ الدين فى أرجاء المعمورة،ويرغِّبُهم فى غنائم الروم.. كما كتب إلى نائِبَيْهِ على القبائل عمرِو بن العاص والوليدِ بن عقبة،وأمَرَهُمَا بجمع العرب،فعلما أن الجِدَّ قد جَدَّ،وأن شيئا كبيرا ستقوم به الخلافة،فقام كلاهما فيمن عنده يدعوهم للخروج من البلد والولد؛ جهادًا فى سبيل الله...
ومن الجموع التى احتشدت لديه ألَّفَ أبو بكر جيوشَ الشام الأربعةَ،التى قاد أحدَها الوليد بن عقبة أوَّلَ الأمر،فكان أولَ مددٍ من هذه الحشود يصل إلى خالد بن سعيد بالشام حيث خاضا معا معركةَ مَرْجِ الصُّفَّر.
لم يكن عمرو بن العاص يدرى وهو يتولى جَمْعَ الصدقات من بعض القبائل أن القَدَرَ يُخبئُه لدورٍ أكبرَ من هذا،إذْ كتب إليه أبو بكر يُخيِّره بين الاستمرار فى القيام على جمع الصدقات من قبائل سعد هُذَيم وعُذْرةَ وغيرهم،وبين القيام بعملٍ سيكون خيرًا له فى دنياه و آخرتِه..