وعشرين وستمائة،فقصم ظهورَهم،واسترد منهم أرض الدولة البيزنطية فى أرْمينِيَّة والشام وفلسطين ومصر،واستعاد منهم بيت المقدس سنة ثلاثين وستمائة من الميلاد.
هو ما أحبه بلسانه وحده،ولكنه أحبه قبل ذلك بقلبه وعمله.. نعم،أحبَّ أبو بكر رسولَ الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بعمله قبل أن يحبه بقوله،فكان أحرصَ الناسِ على الاقتداء به وحِفظ وصاياه،وأولُ ما ابتدأ به الصِّدِّيقُ من أمر الشام هو إنفاذُ بَعْثِ أسامةَ بنِ زيدٍ ... إلا أنه لم يكن يومَها يُعطِى فتحَ الشام شيئًا كبيرًا من اهتمامه،فقد أكلت الردةُ وحروبُها كلَّ جهودِه. ومِثْلُها مِثْلُ بقيةِ الأنحاء والجهات يُوَلِّى أبو بكر الأمراءَ،ويعقد الألويةَ فيوجه إلى أطراف الشام خالدَ بنَ سعيدٍ بنِ العاص وقد عقد له لواءً،ثم أردف به مددًا فيه البطل عكرمةُ بنُ أبى جهلٍ.. واصطدم خالدُ بنُ سعيدٍ بالروم لكنه هُزِمَ فى مَرْجِ الصُّفَّرِ.
ومن هنا يمنح الخليفةُ فتحَ الشام الكثيرَ من اهتمامه،فيُجَرِّدُ لها أربعةَ جيوشٍ،رجالُها تلاميذُ محمدٍ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وتلاميذُهم الذين أصبحوا أساتذةَ الدنيا بأسرِها.. على قيادة الجيش الأولِ أبو عبيدة أمينُ الأمةِ،وهدفه حِمْصُ،وعلى الثانى شُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنةَ قاصدًا الأُرْدُنَّ،وقائد الجيش الثالث عمرو بن العاص،وغرضه فِلَسْطِينُ،وأما الجيش الرابع فوجهتُه دمشق وعليه فارسُ بنى أميةَ يزيدُ بنُ أبى سفيانَ. وطلعت شموس المسلمين على ربوع الشام،واشتَمُّوا رائحةَ الشهادةِ وأبصروا ألوان النصر عند مدنها وحصونها،لكنهم رأوا أن الوضع هناك أكبر من فرقتهم،فكتبوا إلى أبي بكر يستشيرونه ويستمدّونه،فأمدهم بخالد بن الوليد فى نصف جنود العراق،واجتمع المسلمون للروم فى الْيَرْمُوكِ،واصطفَّ الفريقان صفوفا،وقبل أن يصطدم الطوفانُ بالطوفانِ بأيام توفى خليفةُ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ العظيمُ.
أتُراه خرج يثأر لأبيه ثأرَ الجاهلية،ليكون دمٌ بدمٍ وانتهت القضية؟ لقد رأى رسولُ اللهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فى زيد بنِ حارثةَ وابنِه أسامةَ إيمانا وفروسية وحبا لله ورسوله،تجعلهما جديرَيْنِ بالقيادة،ولو كان أسامةُ ابنَ سبع عشرة سنة،وفى جيشه مَنْ هو أسَنُّ منه.. فأسامةُ كحسنٍ وحسينٍ،تَرَبَّى فى حجر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ونال أبوه الشهادة فى مواجهة الروم فى مُؤْتَةَ.
يُنْفِذُ أبو بكر بعثَ أسامةَ لا ليثأر لأبيه الشهيد ثأرَ الجاهلية،ولكن ليُعَلِّمَ الرومَ وحلفاءهم من متنصِّرة العرب غلاءَ دمِ المسلم،وليؤمِّن حدود دولة الإسلام الفَتِيَّةِ من الشمال.
وخرج الخليفة العظيم يودع قائده الشاب وجندَه،وزوَّده بوصاياه،وأمره بأن ينفذ أوامر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فأوقع أسامة بقبائلَ من قُضاعةَ،وأغار على آبِل،وعاد وقد سَلِم وغَنِمَ.
لم يكن تأخرُه عن بيعة أبي بكر سوى وسوسةِ نفسٍ استغفَرَ اللهَ منها بعد ذلك،وعلم أن الله يختار لدينه،فقد عاد خالد بن سعيد من اليمن إلى المدينة،فوجد الناسَ قد بايعوا أبا بكر بخلافة رسول الله ـ