تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جيشا قاتل الروم فى مُؤْتَةَ عام ثمانيةٍ من الهجرة،فى أول صِدَامٍ مسلح معهم،وفى العام التالى خرج النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بنفسه على رأس ثلاثين ألفًا من أصحابه لقتال الروم،فكانت غزوةُ العُسْرَةِ،حيث بلغ المسلمون تَبُوكَ وجَبُنَ الرومُ عن القتال،وأتى أميرُ أيْلَةَ وأميرُ جَرْباءَ وأَذْرُح وأعطيا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الجزية. وقَبْلَ أن تصعد روحه إلى الرفيق الأعلى كان النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يوصي بإنفاذ بعث أسامة بن زيد العسكرى نحو الشام،وقبض ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وإنفاذُ هذا البعث وصيةٌ فى أعناق أتباعه،بعد أن وضع لهم أسس التعامل مع هذا العدو القوي: الدعوة إلى الله،فإن اعتدوا واجهوهم بالقوة والحرب.

انظر هذا الوجه الملائكي الذي أقبل يطوي به فرسُه الصحراءَ بين المدينة والشام،إنه دِحْيةُ بنُ خليفةَ الكَلْبِى،أتى يعلن مبدأ من مبادئ الإسلام الكبرى،وهو عالمية دعوته.. يحمل كتاب الهداية من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى هرقلَ وقومِه...

وشق الصحراءَ نفسَها أحدُ العظماء من أصحاب النبي الخاتم،وهو الحارث بن عمير الأزدي،يحمل كتاب الدعوة من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى حليف الروم وأمير بُصْرَى الحارث بن أبى شَمَّر الغَسَّانى .

أما هرقل فكان يجيد أعمال السياسة،فرد على كتاب رسول الله ردا لينا،بينما غلبت الجلافة الآخرين،فقتل أعرأبى من غَسَّانَ رسولَ المسلمين إلى أمير بُصْرَى،قتله باسم هرقلَ. وارتفعت دماء الحماقة إلى رأس الحارث بن أبى شَمَّر،فبعث إلى هرقلَ يستأذنه فى غزو المدينة المنوَّرة،إلا أن هرقلَ رغب فى ألا يعكر كؤوس انتصاره على الفرس أى شيء،وفضل أن يكون الحارثُ من الخدم الحاضرين معه احتفالَ الروم فى بيت المقدس باسترجاع الصليب الأكبر من الفرس.

" إن الله اطلع على الناس فمقَتَهم عربَهم وعجمَهم،إلا فريقا من أهل الكتاب "،هكذا عبر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن حال الناس قبل بعثته،إذ مقتهم الجليلُ ـ سبحانه ـ وأبغضهم؛ لما ركبوه من ذنوب الكفر،والظلمِ الشائع بينهم.. ولقد كان الصراع على السيطرة بين الفرس والروم وجها كبيرا من وجوه ظلم العباد بعضهم بعضا،فقد نشأ بينهما صراعٌ مميتٌ وتنافسٌ مهلكٌ،كانت الضحايا فيه تعدُّ بمئات الآلاف من البشر لا بعشراتها،هذا غير المدن التى خُرِّبَتْ والقصور والقلاع والحصون التى هُدِّمَتْ..

وقد علت يد الفرس على الروم فى بدايات بعثة النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فحققوا انتصارا كبيرا عليهم عند أَنْطَاكِيَّة سنة ستمائة وثلاث عشرة من الميلاد،وسيطروا على فِلَسْطِين،وقبضوا على بيت المقدس،وامتد جبروتهم حتى خضعت لهم الإسكندرية.. وتجاوب مشركو مكة مع الأحداث وفرحوا لانتصار الوثنية على أهل الكتاب،ورأوا فى ذلك صورة مبكرةً للصراع بينهم وبين الإسلام،وأن النهاية فى الحالين ستكون واحدة: انتصار الوثنية وارتفاع شأن الأصنام،وخمودُ صوتِ الرسل...!

وخرج هرقلُ القيصرُ الجديدُ من رحم الآمال الرومانية،بل من رحم الأحزان والمدن المهدمة،وظل ينظم دولته ويقوى جيشه المنهار،ويكافح الفرس حتى ألحق بهم هزيمة ساحقة قرب نِينَوَى سنة سبع

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٢٣