لذا كان يكلف أمراء الكوفة والبصرة بمسح الطرق والممرات التي تسير فيها الجيوش،وقد قام بهذه المهمة من جهة البصرة أبو موسى الأشعري فاجتمع له في رمضان من سنة ثلاث وعشرين جمع عظيم من الأكراد وغيرهم ليكيدوا المسلمين،ويصيبوا منهم عورة،وكان اللقاء بين نهر تيرى ومناذر،وأقسم القائد أبو موسى على جنوده أن يفطروا ففعلوا،وأقبل المهاجر بن زياد على القتال،وعَزَمَ على أن يقاتل حتى الموت،وراح القتال يشتد بين الفريقين،والشهداء الأحياء يقاتلون عدوهم بشراسة هائلة،حتى ضعفت مقاومة العدو،وفني كثير منهم وتحصن من بقي في قلة وذلة..
وفي جولة أخرى مع الأكراد أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جيشا يقوده رجل من أهل العلم والفقه،وهو سَلَمَةُ بن قيس الأشجعي،وزوَّده بوصية،وسار سلمة بالجيش،فلقي تجمُّعًا من الأكراد،دعاهم إلى الإسلام فأَبَوْا،ثم دعاهم إلى الجزية والخراج فلم يقبلوا،فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله عليهم،حتى قتلوا المقاتلين منهم وسَبَوا الذُّرِّيةَ،وجمعوا غنائم كثيرة.
لم يكن هِرَقْلُ يدري أن الشام التى استردها لِتوِّه من يد الفرس،بعد حرب طاحنة،لن تمكث فى يده طويلا،حتى تقع فى حِجْرِ جيرانِه العربِ.. حقا،لك أن تتعجب،فلم يكن لهؤلاء العرب شأن قبل ذلك،ولكن الكوكب الدُّرِّي والسراجَ المنيرَ قد ظهر فى سمائهم،وأنار قُدَّامَهم الطريقَ إلى أنفسهم وإلى العالم.
ولم يكن هذا السراجُ وذاك الكوكب سوى محمدٍ رسولِ اللهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ورسالته،والذى فى حياته الشريفة بدأت علاقة المسلمين بالشام،فدعا ملكَ الرومِ وقومَه إلى الخير الذى بُعث به،ووقعت بينه وبينهم عدة صداماتٌ عسكرية بعد عدوانهم على المسلمين،ولكن دون أن يُحْسَم الموقفُ لأي من الطرفين.
وجاء أبو بكر وفى صحبته مواجهاتٌ أكبرُ ضد الروم،ولكن سرعان ما اخْتَرَمَهُ الموتُ حميدًا،فقام بالأمر عمرُ بنُ الخطاب،وقامت معه الحرب تجري على قدم وساق،لا يلاحق التاريخ أنفاسَها المتسارعة،فاتسع مدى الغزو ضد الروم،حتى دالتْ دولتُهم من الشام وزالتْ.. ثم قام بالأمر عثمانُ بنُ عفان،فقام المسلمون فى الشام بجهود رائعة لحفظِ طفرةِ الفتوحِ السابقةِ،وغَزَوْا فى البحر مراتٍ.
يَا لَهُ من بشرٍ كَكُلِّ البشر،لكن شجرةَ الخيرِ كلِّه والبركةِ كلِّها،كأنها زُرِعت فى قلبه ونفسه،وامتدت أغصانُها فى المكان والزمان لتشمل كلَّ تابع له بحق بَعُدَ زمانُه عنه أو قَرُبَ. دنا مكانُه منه أو بَعُدَ.
افتتح رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ العلاقة المباشرة بين المسلمين والروم فى صدر العام الهجرى السابع،حين كتب إلى قيصرَ يدعوه وقومَه إلى الإسلام،فجَناح الدعوة يتسع ليضم تحته المشارق والمغارب،ويشملَ أهلَ البادية وسكانَ الحواضرِ،ويحتوي العربَ والأعاجمَ.
وبعث الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بكتاب مماثل إلى أمير بُصْرَى التابعِ لقيصرَ،فكان الردُّ السيئُ على هذا الكتاب سببًا هاجتْ لأجله الحرب بين المسلمين والروم،ووقفت على قدميها،فجهز النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ