صوت الأذان نغْمةٌ سماوية ترتفع من الأرض فتسمو بها،وقد سكنت في نفس هؤلاء الجنود الذين ساحوا للفتح في مشرق الأرض ومغربها كلُّ كلمةٍ من كلمات النداء للصلاة وانطلقوا لتسمع الدنيا ما سمعوا،وتؤمن كما آمنوا..
وقد خرج الأحنف بن قيس في جيشه لفتح طخارستان وما بقي من خراسان بتكليف من عبد الله بن عامر،فسار حتى نزل على سوانجرد وحاصرها وشدَّد عليهم الحصار،فأسرعوا يطلبون الصلح،فوافقهم عليه واشترط أن يؤذن المسلمون من داخل قصرهم..
ارتفع صوت الأذان،وعطَّر الأنحاء هناك،ثم انطلق الأحنف بقواته إلى مَرْو الرُّوذ،فقاتلهم وحاصرهم حتى صالحوه..
وزحف المسلمون إلى المشرق،فوجدوا طخارستان قد جمعت لهم جمعا كبيرا،وأقبل العدو من الجُوزْجَان والطَّالقان والفارياب في خلق كثيرين،فواجههم الأحنف ولقيهم بجيشه،وتقدم ملك الصغانيان برمحه نحو الأحنف،فلمحتْه عينا قائد المسلمين،فتقدم نحوه يعاركه حتى انتزع الرمح من يده،وراح الأحنف وجنوده يقاتلون ببسالة هائلة وصبر عجيب،حتى انهارت قوة المشركين وقتل فيهم المسلمون كيف شاءوا.. ويعود الأحنف في رجاله إلى مَرْو الرُّوذ،فيجتمع للمشركين جمع جديد في الجُوزْجَان،يقدم الأحنف إليهم بعض كتائب جيشه من بني تميم يقودهم الأقرع بن حابس.. ويشعر بنو تميم وقائدهم بالمسئولية الثقيلة التي حملوها عن المسلمين،فيقاتلون عدوهم بحماسة وقوة،لكن الجولة الأولى لم تكن في صالح المسلمين،فعادوا يهاجمون قلب العدو حتى سحقوهم وانتزعوا منهم النصر،لتُفتح الجُوزْجَان بالقوة والقهر.
واكتملت أعمال الفتوح هناك بفتح الطَّالقان والفارياب بلا قتال،ومصالحة أهل بلخ على سبعمائة ألف درهم.
كان ذهاب مُلْكِ فارس مُؤْذنا باصطدام المسلمين بأمم أخرى،فدولة الأكاسرة متسعة الأطراف والحدود،وتلامس أمما أخرى من الترك والصين والهند،وكان الترك من بين هؤلاء جميعا أشرسَ وأعنفَ،وقد استنجد كسرى بملك الصين فنصحه بمسالمة المسلمين بعد أنْ علم صفاتِهم وأخلاقَهم،كما استنجد بملك الترك فخرج إليه في عدد كبير من جنوده،وتجهَّز الأحنف بن قيس في عشرين ألفا من المسلمين يلاقي بهم التُّرك عند سفح جبلٍ بمَرْو الرُّوذ،وخندق كل فريق على نفسه،وتقاتلوا أياما،ثم خرج فارس من التُّرك يضرب بطبلة له،فبارزه الأحنف فقتله،وخرج غيره على نفس الهيئة،فقتله الأحنف،وخرج ثالث فقتله الأحنف أيضا.. ومر خاقان الترك بجنوده فرآهم صرعى فتشاءم لذلك ورجع إلى بلخ بلا قتال..
ساحت الجيوش الإسلامية في أنحاء إمبراطورية فارس،فشرَّقت وغرَّبت،لكن أمير المؤمنين عمر كان يخشى على جنوده من أن يُغْدَرَ بهم،أو يُهاجَمُوا من ظهورهم من قِبَلِ بعض جيوب العدو وتجمعاته..