سمعت إصطخر أصوات السيوف وصهيل الخيول،وشهدت صراعا هائلا بين الجيشين،انتهى بانتصار المسلمين وفتح إصطخر.. وكعادتهم عَفَّ جنود المسلمين عن النهب،وحفظوا الأمانة الصغيرة والكبيرة،ثم إن عثمان بن أبي العاص دعا المشركين إلى الجزية والأمان،فأجابه الهربذ ومَنْ فرَّ معه أو هرب من المعركة.. وفي ختام عهد عمر بن الخطاب وأول عهد عثمان بن عفان نقض أهل إصطخر العهد،وتزعم ذلك شهرك،وشجع أهلَ فارس على اتباعه،فسار إليهم عثمان بن أبي العاص ثانية،وهو العارف بهم،والخبير بقتالهم،فاقتتلوا قتالا شديدا،انتصر فيه أعرف الفريقين بالله،وأكثرهم صبرا في ذات الله،ولحقت بالفرس هزيمة كبيرة،حتى تمكن الحكم بن أبي العاص من قَتْل قائد الفرس شهرك.
يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ.. يا ساريةَ بن زُنيم،الجبلَ الجبلَ!
كان هذا هو النداء الذي ارتفع في ساحة القتال يطالب سارية بن زُنيم قائد المسلمين أن يحمي ظهر جيشه بالجبل،فقد تكاثر العدو من حوله،وانضم أكراد فارس إلى الفرس،وتغير وضع الجيوش.. فبعد أن كان المسلمون يحاصرون عدوهم،تكاثرت أعداد المشركين،وأصبح موقف المسلمين حرجا،حتى ألجأهم أعداؤهم إلى الصحراء،وأصبحوا عُرضةً لحصار يضربه المشركون عليهم من كل جهة،فإذا برحمة الله تتنزل بهذا الصوت الذي نادى: يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ..
ويتحرك ساريةُ بن زُنَيْم بجيشه،ويجعل الجبل في ظهره وظهر جيشه،وكان الجبل أمينا على هذه الظهور المؤمنة،فقاتلوا أعداءهم قتالا مريرًا،مكَّن اللهُ للمؤمنين فيه،فرجع المسلمون بنصر عظيم،وغنائم هائلة.. وفُتحت فَسا ودارابِجَرْد..
كل هذا ولم يدر المسلمون من أين أتاهم هذا الصوت الذي نادى القائدَ بأن يجعل ظهر الجيش إلى الجبل،فلما قدم رسولٌ من قِبَلِ ساريةَ يحمل أخبار النصر والفتح،راح أهل المدينة يَلْقَوْنه بالبشر،ويسألونه عن الفتح،وهل سمع جيش المسلمين شيئا يوم الفتح،فأخبرهم بذلك الصوت الذي فتح الله به على المسلمين،فأجابوه بأن أمير المؤمنين عمر كان على المنبر في تلك الساعة،وأخبر بحال المسلمين وحال المشركين،فنادى وهو بالمدينة المنورة: "يا ساريةُ،الجبلَ الجبلَ "،فسمعها المسلمون المقاتلون هناك في فَسا،وعملوا بها،ففتح الله عليهم ونصرهم.
مدينة من كبرى بنات التاريخ،سار إليها فارس من أكبر فرسان الجهاد في سبيل الله تعالى وهو عاصم بن عمرو التميمي قائد كتيبة الأهوال،ولحق به عبد الله بن عمير،ووقع الصدام الرهيب بين المسلمين والفرس،في صراع على سِجِسْتان في أدنى أرضها،فانهزم الفرس،وتبعهم المسلمون حتى حصروهم بِزَرَنْج،ومرُّوا بأرض سِجِسْتان كيف شاءوا،وتأكد العدو من أنه لا فائدة في مقاومة هؤلاء القوم الذين يندفعون إلى القتال وكأنهم يريدون الموت لا الحياة،فطلب أهل سِجِسْتان الصلح،فأعطاهم المسلمون ما طلبوا،ووفَّوا إليهم حقوقهم.