يستعين بهم على صاحب العقل والحسب،والعقل يوجب ألا تفرض الجزية علينا حتى لا تضعفنا عن مواجهتهم..
استمع عبد الرحمن إلى هذه الكلمات من فم شهربراز نفسه،فأعجبه ذلك،وبعث به إلى قائد المسلمين سراقة بن عمرو،فصالحه على ذلك،إلا أنه لم يسقط الجزية عمن أقام في بيته ولم ينهض للحرب،وكتب بذلك كتابا لشهربراز وقومه،فأجاز عمرُ ذلك واستحسنه.
وكان سراقة بن عمرو قد وُلِّي قيادة الجيش الفاتح للباب،وجاءه بُكير بن عبد الله في مدد بعد فتحه أذربيجان،وقدم عليه حبيب بن مسلمة من الجزيرة في مدد آخر.
وبعد مصالحة شهربراز وقومه وجه سراقة قادته إلى أهل الجبال المحيطة بأرمينية،وكان أهل فارس يتَّقونهم ويخافونهم لهمجيتهم وشراستهم،ففتح بُكير بن عبد الله مُوقان وفض جمع المشركين فيها،بينما فشل القادة الآخرون في فتح تفليس واللان.. ثم تقدم عبد الرحمن بن ربيعة بعساكره بعد موت سراقة ففتح بلنجر بجيش يضم العديد من صحابة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .
وفي سنة أربع وعشرين من الهجرة نقض أهل أرمينِيَّةَ العهد،فأخضعهم سلمان بن ربيعة الباهلي وأدَّبهم.
جَمْع القوات وتفريقُها فنٌّ من فنون الحرب لا يجيده إلا أهلها ورجالها،وقد اجتمع الفرس في تَوَّج مقبلين من مواضع عديدة،لتكون شوكتهم على المسلمين أقوى،فانطلق نحوهم جيش يقوده سارية بن زنيم،وراح سارية هناك يجمع معلوماته،ويدرس جغرافية المكان،حتى تبين له أن يرسل قادته،ويوزع قواته على النواحي التي أقبلت منها قوات الفرس.. وتَطِيرُ الأنباء بسرعة إلى جموع الفرس،فيقع الاضطراب بينهم وينسحب العديد من ألويتهم ليحمي قراه وحصونه،ويدرك بيوته قبل أن تطأها خيل المسلمين.. وبعد الفرقة يتشاءم المشركون مما صاروا إليه من تمزق الشمل وتشتت الأمر...
وفي تَوَّج دارت المعركة،واشتعلت نيرانها،حتى مكن الله المسلمين من عدوهم وسلطهم عليه،ففعلوا بهم ما شاءوا،وانكسرت بعدها شوكةُ القوم،فدعا المسلمون مَنْ بقي منهم إلى الجزية والذمة،فرجعوا على ذلك.
كانت الفتوح مدرسة واسعة بزغت فيها نجومُ كثيرٍ من قادة الحروب،وأعان على ذلك اتساع الجبهات،والقوة الهائلة التي يملكها العدو.. وقد فتح هذا مجالا رائعا للتنافس بين القادة والجيوش،فكل يريد أن يسبق الآخر إلى مجد ونصر كبير،يريد به الدنيا أحيانا ويريد به الآخرة في أحيان أكثر..
وقد سعى العلاء بن الحضرمي وهو أمير على البحرين إلى غزو فارس عن طريق البحر،فكان ذلك سببا في وقوع معركة طاحنة بين المسلمين والفرس في إصطخر سنة سبع عشرة من الهجرة.. غير أن فتح هذه المدينة التاريخية تأخر إلى سنة ثلاث وعشرين،حيث زحف إليها عثمان بن أبي العاص في جيش من المسلمين،والتقى بالمشركين في جور حتى أخمد نيرانهم،وهدَّ سلطانهم وامتد القتال حتى