تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فائدةً في مقاومة المسلمين وقتالهم،فبادر بطلب الصلح على دفع الجزية وترك حرب المسلمين،فدخل سويدٌ جُرجان في صحبة ملِكِها،وعسكر هناك حتى جُمع له الخراج،وحدد الثغور والمداخل المهمة لها،ووفَّر لها حمايةً من تُرك دِهِسْتان الذين أسقط عنهم سويد الجزية.

وتصل الأنباء إلى ملك طَبَرستان فيكتب بسرعة إلى سويد قبل أن يتوجه إليه فاتحا،يطلب الصلح والأمان،معتذرا لعدم قدرته على نصرة المسلمين،فصالحه سويد على ذلك،وفُتحت طَبَرستان.

وفي سنة ثلاثين تجددت الحرب مع أهل طَبَرستان لمخالفتهم الصلحَ الذي عقدوه مع المسلمين،فغزاهم سعيد بن العاص،واشتد القتال بينه وبينهم حتى صلى المسلمون صلاة الخوف،ولجأ العدو تحت ضغط المسلمين عليه إلى حصن طَمِيَّةَ،فحاصرهم المسلمون فيه حصارا شديدا،حتى طلبوا الأمان على "ألا يقتل منهم رجل واحد"،فأمَّنهم سعيد ثم قتلهم إلا رجلاً واحدًا،جزاء بغيهم وخيانتهم.

لما رأى أمير المؤمنين عمرُ أن كسرى يجمع له كل سنة جيشا أمر جيوش العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت،فكانت أذربيجان من نصيب بُكير بن عبد الله وعتبةَ بن فرقد،فسار إليها أحدهما من شرقها من ناحية حلوان،وقصدها الآخر من غربها من جهة الموصل،وانضم سماكُ بن خرشة الأنصاري بقوة من جيش نعيم بن مقرِّن إلى جيش بُكير بن عبد الله..

وفي جولتين سريعتين التقى بُكير عند جَرْميذان بجيش فارسي يقوده إسفندياذ الفرُّخزاذ،وواجه عتبةُ بن فرقد جيشا آخر عليه بَهرام بن الفرُّخْزاذ،فنصر الله المسلمين في الجولتين،وفرَّ بَهرام،وأُسِر إسفندياذ،وصالح المسلمون أهلَ أذربيجان على الجزية،وتحرك بُكير بن عبد الله بقواته منضما إلى جيوش المسلمين المتوجهة لفتح الباب،وتولى عتبة بن فرقد على أذربيجان كلها.

وقد نقض أهل أذربيجان العهدَ في صدر ولاية عثمان ـ رضى الله عنه،فقصدهم الوليدُ بن عقبة بجيشٍ،فلما رأوا ذلك عادوا خاضعين،وصالحهم المسلمون على ثمانمائة ألف درهم،وذلك في سنة أربع وعشرين من الهجرة.

كان العرب وهم محبوسون في جزيرتهم أيام الجاهلية يعرفون جيدا أن الفرس أقوياء بالعقل والحكمة والعلم،فلما وقعت الحرب بين المسلمين والفرس،ووفدت رسل المسلمين إلى كسرى وقادة جيوشه ورأوا استعبادَ الفرس لبعضهم البعض وتمسكَهم بمظاهر الترف البالغ ـ عَدُّوا ذلك من مظاهر الحمق وضياع الحكمة..

غير أن بقايا من حكمة الفرس القديمة ظلت تلازم بعضَ رجالهم في كثير من أعمالهم،فقد طلعت جيوش المسلمين على الباب ومَلِكُها يومئذ شهربراز،فلما رأى عبدَ الرحمن بن ربيعة قائدَ مقدمة المسلمين راح يعرض عليه الصلح،مذكِّرا بأن من ورائه أمما من الترك والقُبْج والأرمن لا شأن لهم ولانسب،لكنهم أهل شراسة وعنف في عداوتهم،ولا ينبغى لصاحب العقل والحسب أن يعين هؤلاء أو

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥١٥