تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما حولها من قوات فارس ما يقلقهم،ويعرّض جيوش المسلمين الفاتحة للخطر،وما على عتبة وجيشه سوى القضاء على قوات الفرس بالأُبُلَّة وما حولها.

وعتبة ليس رجلا غريبا على الإسلام،ولا رجلا جديدًا فيه،بل هو من أصحاب محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذين تعلموا منه حب الآخرة والرغبة في رضا الله تعالى...

فخرج من المدينة،وضم إليه ألفي رجل من المسلمين،وزحف بهم وكلما تقدم جهة الأُبُلَّة اتسع جيشه وانضم إليه متطوعون جدد من المسلمين،ثم نزل بهم جميعًا موضع البصرة،وكانت مكانا خربا سيشهد بعد ذلك إقامة المدينة العتيقة على يد عتبة بن غزوان نفسه.

وأعد المسلمون أنفسهم لجولة شرسة في مواجهة قوات الفرس ونقاط الحراسة المسلحة المنتشرة في المنطقة،وزحف عتبة بجيشه،وقد زالت من نفوس المسلمين تلك الهيبة الشديدة للفرس،فنازلوهم وقاتلوهم بأقدام ثابتة،ووجوه مقبلة،والفرس لا يبخلون باستعمال كل طاقتهم في القتال،وما يعرفونه من فنون الحرب،حتى لانت قوتهم،وارتفعت يد المسلمين عليهم.. وكتب عتبة إلى أمير المؤمنين عمر يهنئه بالنصر الذي تحقق،وبفتح الأُبُلَّة التى كانت صرة المنطقة المحيطة بها،إذ هي "مرقى سفن البحر من عمان والبحرين وفارس والهند والصين ".

لم يجد الفرس بعد نهاوند قوة كبيرة أخرى كتلك التي كانوا يرمون بها المسلمين،غير أن أمير المؤمنين عمر رأى أن يَزْدَجِرد يبعث عليه في كل عام حربا،وعلم عمر أن هذا سيبقى عادته حتى يخرج من مملكته تماما،فأذن أمير المؤمنين لجيوشه في العراق في الانسياح فيما بقي من أرض مملكة فارس،حتى يأخذوا ما في يد يَزْدَجِرد،ويلتقطوا تلك المدن المتناثرة هنا وهناك كما يُلتَقط اللؤلؤ والجوهر،فتوجهت الجيوش من البصرة والكوفة تفتح هنا وهناك،وصارت هاتان المدينتان كالنهر الكبير المتدفق بالماء الغزير تتفرع عنه جداول تشَرِّق وتغرِّب حاملةً ماء الحياة..

وفتحت هذه الجيوش فيما بقي من عهد عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ همذان،وأصبهان،والري،وأذربيجان،والباب وأرمينية،وتوَّج،وإصطخر،وفَسا،وكَرمان ومُكران،وسِجِسْتان،وقومِس وجرجان وطبرستان،وخراسان،وطَخارستان،وغيرها.

وفي أثناء هذه الفتوح وقعت بعض المواجهات مع الترك،ومواجهات أخرى مع الأكراد.

إذا انفصل من الحية ذيلها فلا خوف منه،وأما إذا انفصل منها رأسها فإنه يوشك أن ينمو حتى يصير حية كاملة سمُّها قاتل،لذا كان المسلمون يحرصون بقوة على تَتَبُّع القادة الفارين من المعارك؛ ليَحُولوا بينهم وبين حشد قوات جديدة يقاتلون بها المسلمين،وقد فرَّ الفيرزان بعد الهزيمة الفادحة التي تعرض لها جيشه في نهاوند نحو همذان،ولم ينس نعيم بن مقرِّن في زحمة الأحداث أن يزحف خلفه،فقدم أمامه القعقاع بن عمرو الذي سابق الريح حتى أدرك الفيرزان عند ثنية العسل فقتله،وتتابع زحف المسلمين خلف الفارِّين من نهاوند،حتى هبطوا عند همذان الحصينة،ففتحوا ما حولها من القرى

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥١٢