كتائبه ورجاله ويذكِّرهم بوعد الله تعالى،فاندفعوا نحو عدوهم اندفاع السهم من القوس،والنعمان يحمل رايته وينقضُّ على عدوه انقضاض العُقاب على فريسته،فاقتتلوا بالسيوف كأشد ما يكون القتال،وكانت الشمس قد تركت كبدَ السماء فاستمر القتال إلى ما بعد الغروب،فحجب الليل قتلى العدو الذين امتلأت بهم ساحة المعركة،وزلقت الأرض من دمائهم،حتى انزلق فرس النعمان به في الدماء وسقط من فوقه شهيدا شجاعا مقبلا،وقبل أن تسقط الراية تناولها نُعيم بن مقرِّن،وغطى أخاه النعمان بثوبه،وسلم القيادة إلى حذيفة بن اليمان الذي كتم خبر استشهاد القائد عن الجنود.. ومع الليل تدحرج اليأسُ حتى سكن نفوسَ الفرس،وراحوا يتلفتون حولهم بحثا عن وجه للهرب،والظلام لا يسمح لهم برؤية الجهات حولهم،فانطلقوا فارِّين وقد سُحقت قوتُهم وهرب الفيرزان نحو همذان فكان ذلك سببا لفتحها هى أيضا،وابتداء فتوح المدن المتناثرة في نواحي مملكة فارس الشرقية.
كان هناك سباق في الخير بين العلاء بن الحضرمي وسعد بن أبي وقاص تقدم فيه العلاء في حروب الردة وسبق سعدا،ثم جاءت القادسية بانتصارها الساحق لترفع أسهم سعد عاليا،فحاول العلاء أن يقدم شيئا يساوى أو يقارب ما فعل صاحبه،فدعا أهل البحرين إلى قتال فارس،وعبر بهم البحر بغير إذن عمر،وكان أمير المؤمنين يكره الغزو في البحر وتعريض المسلمين للخطر.. ونهض الهربذ من إصطخر في أهل فارس،فحرم المسلمين من سفنهم وأغرقها،ولم يجد المسلمون مفرا من القتال،فدارت الحرب شديدة عند طاوس،ووقعت في أهل فارس مقتلة عظيمة،وأدركتهم هزيمة فادحة،وقُتِل عدد من أبطال المسلمين.. وفي طريقهم للعودة لم يجد المسلمون وسيلة لعبور البحر،وطلع عليهم القائد الفارسي شهرك في جمع كبير من أهل فارس،أكثرهم من أهل إصطخر،واعترض طريق المسلمين.. وتصل الصورة إلى أمير المؤمنين عمر،فيمتلئ غضبا على العلاء،ويعزله،ويكتب إلى عتبة بن غزوان لنجدة المسلمين،وبعد قراءة آخر كلمة من خطاب أمير المؤمنين راح عتبة يدعو الناس ويشجعهم على إدراك المسلمين المحصورين مع العلاء ونجدتهم،فخرج اثنا عشر ألفا،فيهم كثير من أبطال المسلمين ويقودهم أبو سَبْرة بن أبي رُهم.. وفي سباق مع الزمن سلك الجيش طريق الساحل،والجنود يركبون البغال والخيول تعدو بجوارهم في استعداد لمعركة حامية ستخوضها.. وأخذ أهل إصطخر يستصرخون أهل فارس كلهم لينضموا إليهم،وجاء المدد إلى المسلمين،وأقبلت أمداد أخرى إلى المشركين فوقعت الحرب،وانهزمت جموع المشركين هزيمة منكرة.
"يا عتبة،إن إخوانك من المسلمين قد غَلَبوا على الحيرة وما يليها،وعبرت خيلهم الفرات حتى وطئت بابل ـ مدينة هاروت وماروت ومنازل الجبارين ـ وإن خيلهم اليوم لتغير حتى تشارف المدائن،وقد بعثتك في هذا الجيش،فاقصد قصد أهل الأهواز،فاشغل أهل تلك الناحية أن يمدوا أصحابهم بناحية السواد على إخوانكم الذين هناك،وقاتِلْهم مما يلى الأبلة" ـ هكذا شرح عمر بن الخطاب لقائده عتبة بن غزوان المازني المهمة التى أرسله لأدائها،فالمسلمون قد أوغلوا في نواحي بلاد الفرس،غير أن بالأبلة