ويؤيده كسرى،ولو لم يَسِرْ المسلمون إليهم اليوم فسيسيرون هم إلى المسلمين غدا.. إنها معركة لابد منها..
وقرر أمير المؤمنين أن يخرج بنفسه على رأس جيش جرار،يقلِّم به أظافر الفرس،ويخلع أسنانهم الأخيرة،ولكن كبار الصحابة اعترضوا على خروج عمر بنفسه ورأوا في ذلك خطرا على المسلمين جميعا،ووكَّلوا إلى أمير المؤمنين اختيارَ قائد يتولى حرب أهل فارس في نهاوند..
ويأتي خيط آخر في نسيج الحرب على شكل رسالة من النعمان بن مقرِّن صاحب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يشكو فيها إلى عمر بن الخطاب سعدَ بن أبي وقاص الذي ولاه جمعَ خراجِ الأرض،وحرمه من الجهاد الذي يحبه.. وأمير المؤمنين رجل يذوب حبا في هذا النوع من البشر،فكتب إلى سعد يأمره بأن يوجِّه النعمانَ إلى أهم جبهة له مع الفرس،إلى نهاوند.. وكما اجتمع أهل فارس من حلوان وما حواليها حتى خراسان والباب وسجستان فأتموا مائة وخمسين ألفا،فقد أقبلت قوات المسلمين من المدينة والكوفة ومن جنود العراق حتى اكتملوا عند النعمان ثلاثين ألفا..
ولما وصل المسلمون إلى نهاوند ووقعت عينُ القائد النعمان على العدو بحده وحديده وسلاحه وجنوده كبَّر النعمان وكبَّر المسلمون،فرنَّ صوتهم في آفاق المكان،ورددت الجبال صداه فانخلع قلب الفرس،وارتجفوا من داخلهم.. وهز النعمان رايتَه ثلاثا وكبَّر اللهَ ثلاثًا،ثم هجمت فيالقُ المسلمين واشتعلت الحرب ساخنةً وطالت حتى ملَّ الفرس القتال،فدخلوا إلى حصونهم،واحتمَوا بخنادقهم،وتحكموا من هناك في سير القتال،فإذا أرادوا الخروج إلى الحرب خرجوا،وإذا أرادوا أن تَصْمُتَ الحرب احتمَوا بخنادقهم وحصونهم،فاحتال المسلمون حتى استدرجوهم بعيدا عن الحصون والخنادق،وأذاقوهم هزيمة مريرة،فُتِحَتْ بعدها نهاوند،واستُشهد القائد النعمان.. وذلك في سنة إحدى وعشرين من الهجرة،وسميت المعركة بفتح الفتوح.
وقف النعمان بن مقرِّن في نهاوند يرسم أمنيته بكلمات رائعة: " اللهم إنى أسألك أن تقر عينى اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام،وذلٌّ يُذَلُّ به الكفار،ثم اقبضني إليك على الشهادة.."،تلك هى معادلة الشهداء: النصر لدينهم والشهادة لأنفسهم.
وهزت كلمات القائد مشاعر جنوده،فامتلأت عيونهم بالدموع،وأرواحُهم بالشوق،واندفعوا نحو العدو،يتمنى كل واحد منهم ألا يرجع إلى أهله إلا بالنصر أو الشهادة لا ينوون بديلا عن ذلك.. وعلا صوت الحرب،وهجم كل مسلم على مَنْ في طريقه من العدو،وعلا الصياح والضجيج،حتى لان صبر العدو فلجئوا إلى حصونهم وخنادقهم،فاغتاظ المسلمون لذلك ورأوا العدو يتحكم في سير المعركة فشاور النعمان رجاله،واتفقوا على أن يتولى القعقاع بن عمرو وكتيبتُه استدراج العدو إلى خارج الحصون،وراح القعقاع كالوحش المشاكس يهاجم العدو برجاله،ويتقهقر أمامهم،وهم يطمعون في اللحاق به،وكلما تقهقر طمعوا أكثر حتى بعدوا شيئا ما عن حصونهم وراح النعمان يَعِظُ