تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحول غيظ كسرى إلى بركان يقذف المسلمين بكل ما يستطيع من حممه،فنزل إصطخر،وضم إليه خزائنه،وأعان الهرمزان في تُستر ووجَّه سياه إلى السوس ومعه ثلاثمائة من عظماء أهل فارس،وأمرهم أن يضموا إليهم من شاءوا من الجنود الذين يمرون ببلادهم..

وفي طريقه إلى السوس راح سياهُ يفكر فيما يفعله هو وقومه،ويسأل نفسه: هل نحن على صواب أو أننا كمن ينطح صخرة برأسه فلا يرجع من ذلك إلا بالألم؟! هل من العقل إذا تبيَّن لنا أن الحق مع خصمنا أن نظل على العناد والمكابرة؟!

ولم يمنعه ذلك من الاتجاه إلى السُّوس التي كان أبو موسى الأشعري قد حاصرها،فلمَّا بلغ أهلَها انتصارُ المسلمين في جَلُولاء رفعوا رايات الاستسلام وطلبوا الصلح فصالحهم أبو موسى..

وامتد المسير بسياه وأصحابه حتى نزل الكلبانية،وقد عَظُمَ أمر المسلمين ومكانتُهم عنده،ومع تحرك أبي موسى إلى تُستر تحرك سياه حتى نزل بين رامَهرمز وتُستر،وهناك راح يشاور أصحابه حتى انتهى بهم الأمر إلى الدخول في دين الله تعالى،وترك الجحود الذي كسرته آيات الفتح والنصر المتتابعة للمسلمين،والتي لم يعوِّق حركتَها جيش ضخم ولا أفيال ولا نهر ولا جبل..

برغم شراسة القتال وشدته في الصراع الدائر بين المسلمين والفرس،فإن الأعداء قد عرفوا عن المسلمين حفظ العهود والوفاء بالوعود.. وقد سار المسلمون بعد فتح السُّوس إلى جُنْدَيْسابور فنزلوا بها،وحطُّوا رحالهم حولها،فضربوا عليها حصارا شديدا،وبينما هم على استعداد لجولة طويلة من الحصار والقتال وصد زحف العدو،والرد عليه بزحف أقوى منه ـ إذا بأهل جُنْدَيْسابور يفتحون أبواب حصونهم،ويعيدون الحركة في المدينة العريقة إلى طبيعتها ما بين بيع وشراء،وتحرك هنا وتحرك هناك.. فلما رأى المسلمون ذلك تعجبوا وسألوا أهل المدينة وهم يتحسبون خوفا من أن تكون هناك خدعة ما،فقال الفارسيون: "رمَيْتُم إلينا بالأمان فقبلناه.. ودُهش المسلمون من ذلك وأنكروه،وفتشوا فيما بينهم من الجنود،فإذا بعبدٍ مسلمٍ أصله من جُنْدَيْسابور هو الذي كتب لهم بالأمان،فقال المسلمون: هو عبدٌ،فجاءهم الرد من أهل جُنْدَيْسابور دليلا على ثقتهم في أن المسلمين قوم لا يغدرون ولا يخونون: "إنَّا لا نعرف حُرَّكم من عبدكم،قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه،ولم نبدِّل،فإن شئتم فاغْدِروا"،فامتنع المسلمون عنهم مع تمكنهم منهم،واستشاروا عمر بن الخطاب في ذلك فأَمضَى الصلح ووافق عليه.

تجمعت خيوط القدر من هنا وهناك حتى نسجت أحداث هذه المعركة،فكانت فريدة في أحداثها ووقائعها،وكانت إحدى المواجهات الكبرى بين المسلمين ومشركي الفرس.. فأميرالمؤمنين عمرُ لا يريد أن يخاطر بجنوده فيعبر بهم الجبل لقتال الفرس،فرجل واحد مجهول من بين صفوف المسلمين أحبُّ إلى قلبه من مائة ألف دينار.. لكنَّ الفرس قد اجتمع لهم جمع كبير في نهاوند يقوده الفيرزان

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٠٩