الجيشان قادهما أبو سَبْرة بن أبي رُهم.. كانت هذه الأوامر السريعة والحشود الكبيرة التي أمر عمر بتحريكها كفيلة بتصوير خطورة الموقف..
وتقدم النعمان بجيشه من الكوفة،فسار في وسط السواد حتى بلغ مَيْسان فعبر دجلة،ثم أتى الأهواز على ظهور البغال وأراح الخيولَ في انتظار معركة حامية،فمر من هناك إلى نهر تيرى،فعبره حتى تخطى مناذر وسوق الأهواز،وفي أربُك صار المسلمون وجها لوجه أمام جيش الهرمزان الذي لم يمهل المسلمين وبادرهم بهجوم كاسح،فصبر المسلمون صبرا شديدا،وجرى قتال هائل بين الفريقين،فكان النصر من نصيب أكثرهم صبرا،ففر الهرمزان منهزما،ولجأ إلى تُستر في انتظار معركة جديدة،وافتتح المسلمون رامَهرمز،فضلا من الله ونعمة.
أخفى الهرمزانُ وراء جدران نفسه شعورا عميقا بخيبة الأمل،فهو لا يلقى المسلمين في ميدان إلا غلبوه واضطروه إلى الفرار،فَعَلَ ذلك في القادسية،وعند فتح الأهواز ولدى هزيمته قرب رامَهرمز،ولكن ماذا يفعل وهم في طريقهم إليه في تُستر يسابقون أشعة الشمس وتسابقهم؟! ماذا يفعل وقد كتب عليه أن يقاتلهم من جديد؟! إن الفرار قبل الحرب عار غير مستعد هو لتحمله..
فلم يكن بد أمام الهرمزان من أن يحفر الخنادق حول تُستر،ويحتمى بها من المسلمين..
وسار جيش البصرة يقوده سهل بن عدي فوصلتْهم الأنباء بفتح رامَهرمز وهم بسوق الأهواز،فمالوا من هناك نحو تُستر،ليلتقي بهم النعمان بن مقرِّن في جيش الكوفة،ويقود الجميعَ أبو سَبْرة بن أبي رُهم،وانضمت إليهم قوات جديدة يقودها أبو موسى الأشعري..
وينزل المسلمون على خنادق تُستر،ويضربون حولها الحصار شهورا،والحال كل يوم بين زحف ومبارزة،فتنافس فرسان المسلمين كالبراء بن مالك ومَجْزأة بن ثور ورِبعي بن عامر في إثبات مهاراتهم في المبارزة،فكم من فارس مسلم قتل من المشركين مائة في المبارزات.. وزحف المشركون على المسلمين ثمانين زحفا،فمرة ترتفع يد هؤلاء ومرة ترتفع يد أولئك... لقد عجزت الأسباب عن حسم هذه المعركة،ولكن رب الأسباب لم يعجز،فرفع البراء بن مالك إلى الله صوته ويديه: "اللهم اهزمْهم لنا واستَشْهِدْني".. وفي زحف جديد وأخير ظنه العدو ككل زحفٍ،ترتفع روح المسلمين بهذا الدعاء الصادق،ويقاتلون المشركين عند الخندق قتالا مريرا حتى اقتحموا خنادق المدينة،وراح أبطال المبارزة يضربون رءوس العدو وأكباده حتى صرع منه كثيرون،وتقدموا نحو الحصون فوزع المسلمون قواتهم،وعرفوا مدخلا يفاجئون منه العدو،ولم ينتبه المشركون إلا والمسلمون يكبِّرون فوق رءوسهم،فخارت قواهم،وانهدمت قدرتهم على المقاومة،وقبل أن يكمل الهرمزان فراره من جديد أخذه المسلمون أسيرا من إحدى القلاع... واستجاب الله دعاء البراء بن مالك،فأنزل نصره على عباده،ونال البراء الشهادةَ ومعه كثير من إخوانه....