نظر عتبة بن غزوان إلى الرقعة الجغرافية التي تضمه وتضم عدوه،وراح يفكر ويتدبر الأمر،ويرتب خطة مناسبة للحرب.. وعند التنفيذ حرّك قطعة من جيشه فأتت مَيْسان وعسكرت بينها وبين نهر تيرى،وقطعةً أخرى عسكرت بين ميسان ومناذر.. ورأى المسلمون كثافة عدوهم فدعوا مَنْ هناك من العرب إلى النُّصرة،فاستجاب لهم بنو العم بن مالك..
وبين نهر تيرى ودُلُث التقى المسلمون بالهرمزان وقواته،فاشتعل القتال بينهما واشتد،وراح كل قائد يقذف عدوه بماعنده من القوات،حتى جاء المسلمين مدد من بني العم بن مالك،وأتى الهرمزانَ الخبرُ بفتح المسلمين لمناذر ونهر تيرى،فانكسرت معنوياته ومعنويات جنوده،حتى قاتلوا بروح يائسة،وتمكن المسلمون من رقابهم فقتلوا منهم وأصابوا الكثيرين.. وأمام هذا الاندفاع من المسلمين والضغط الحربي الهائل فر الهرمزان بجنوده حتى عبروا الفرات إلى الضفة الأخرى،وصار الماء يفصل بين المعسكرين،والساحة المنتظرة للقتال هي الأهواز نفسها.. ويحدِّق الهرمزان فيمن يقف أمامه على الشاطئ الآخر فلا يرى إلا أُسُودًا متطلعة لقتاله،وينظر إلى من معه فلا يجدهم أكْفِاء لقتال المسلمين فتقدم إلى المسلمين للصلح،وصالحه عتبةُ على الأهواز ومهرجان قذق،وأما نهر تيرى ومناذر فقد فتحتا قبل ذلك بالقوة والقهر.
وكان الهرمزان مرغَما على هذا الصلح لذا لم يمر سوى القليل من الوقت حتى اختلف مع المسلمين في حدود الأرض التي نالها بالصلح،ولم يكن ذلك إلا فوهةَ بركانٍ ينفس بها عن غيظه،وينقض من خلالها العهد،حتى جمع جندا كثيفا واستعان بالأكراد لتُجَدِّدَ الحربُ سيرتها من جديد في سوق الأهواز،فعبر الهرمزان إلى المسلمين وقاتلهم وقاتلوه،حتى انهارت دفاعاته وخارت قواه وقوى جنوده فانهزموا،وفر إلى رامَهرمز وافتتح المسلمون سوق الأهواز،وامتد زحفهم حتى أطراف تُستر.
نحو مرو اتجه يَزْدَجِرد حاملا أهلَه وزينتَه فحط رحاله هناك،وراح في تفكير عميق فيما آل إليه حاله،وأخذ يقلب كفيه ندما على ما ضاع منه من المُلك الذي عجزت سطوة خصومه من الرومان عن إزالته،وظل كسرى منشغلا ليل نهار بالتفكير فيما يفعله ليسترجع مُلك آبائه،ويوقف زحف المسلمين نحوه،فأعجزته الحيل،وتعب عقله من كثرة التفكير،حتى رأى أن يكتب إلى مَنْ بقي من أهل فارس في مراكز قوة يحرضهم على قتال المسلمين وجمع الجنود والمناصرين من هنا وهناك،فاجتمع منهم عدد كبير يقودهم القائد المشاكس الهرمزان..
ويكتب عمر بن الخطاب بعد أن بلغتْه أنباء الجبهة يأمر سعد بن أبي وقاص: "ابعث إلى الأهواز جيشا كثيفا مع النعمان بن مقرِّن،وعجِّل وابعث سويد بن مقرن وعبد الله بن ذي السهمين وجرير بن عبد الله الحميري وجرير بن عبد الله البجلي،فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبينوا أمرَه ".... ويكتب الخليفة إلى أبي موسى الأشعري أمير البصرة ليسيِّر جيشا آخر كثيفا منها يقوده سهل بن عدي،فإن اجتمع