وها هم أهل الجزيرة التي يحتضنها دجلة والفرات بين شاطئيْهما يحرضون هرقلَ ويُقوُّون ساعدَه بالجنود لحصار المسلمين في حمص.. وتأتى الرسالة من المدينة سريعة إلى القائد سعد بن أبي وقاص أن يطلق سهامه بكل اتجاه يصيبُ العدو ويشتتُ قدراته وقواته،فأرسل جيشا يقوده القعقاع بن عمرو لنجدة المسلمين في حمص،وبعث عِياضَ بنَ غَنْم قائدا لفتح الجزيرة،ووجه عمر بن مالك لمصادمة العدو في هِيت وقَرْقيسياء..
ويغرس عمر بن مالك وجنوده حرابهم على أبواب هِيت التي تحصن أهلها واحتموا بالخنادق،ففاض الشوق بعمر إلى تحقيق النصر وفتْح هذا الموطن،لكن امتناع أهله طال،فانفصل عمر بنصف جيشه،وترك النصف الآخر تحت إمارة الحارث بن يزيد العامري،وانطلق نحو قَرْقيسياء فداهمها وأخذها بالقوة والقهر،وصالح أهلَها على الجزية،وفتَّ ذلك في عضد أهل هِيت فاستجابوا لدعوة الحارث للاستسلام وأمَّنهم حتى خرج الأعاجم إلى أهل بلادهم،وانضم جيش المسلمين إلى بعضهم بعضا.
جزيرة يأتيها الماء العذب من يمينها وشمالها،وتجود ثمار أرضها في شرقها وغربها،لكنها كفرت بنعم الله،وعبدت غيره،وحرضت الرومان ضد أهل الحق،وأعانتهم على حصار المسلمين في حمص.. هل تستكثر عليها بعد ذلك أن يذهب سلطانها،وتزول دولتها بسهولة متناهية بعد أن وجه إليها سعد بن أبي وقاص مواكب الفاتحين؟
انطلق عِياضُ بنُ غَنْم بقواته يسابق الزمن،رجاله رجال عقيدة ودين وليسوا سفاحين ولا مصاصي دماء،برغم أنها الحرب وما تحمل من أهوال وشدائد.. ولما وصل عِياض إلى أرض الجزيرة راح يوزع القادة على نواحيها لتخضع كلها لأهل التوحيد،فأرسل سهل بن عدي إلى الرقة،واتجه عبد الله بن عتبان إلى نصيبين،واختُص الوليدُ بن عقبة بحرب عرب الجزيرة..
وَعَدَتْ خيول كلِّ قائد في الناحية المخصَّصة لها،والجنود يملأ جوانبَهم الجِدُّ والإخلاص وحب الجهاد في سبيل الله تعالى،والاستعداد لمقابلة معاناة الحرب وشدائدها بالصبر والثبات،فما وصل قائد إلى ناحية إلا سلَّمت له وصالحها على الجزية بلا حرب ولا قتال،إلا طائفة من عرب الجزيرة فرّت إلى أرض الروم،وفتح المسلمون الرقة ونصيبين والرها وحران،" فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحا ".. وذلك في سنة سبع عشرة من الهجرة.
بعد أن وضعت الحرب في القادسية أوزارها فرَّ مَنْ بقي من قادة الفُرس إلى الجهات التي أقبلوا منها،فهرب الهُرْمُزَانُ إلى الأهواز حيث قومُه وأهلُ بيتِه،ومِنْ هناك تزعَّم الحربَ ضد المسلمين والدفاع عما بقي من كرامة أهل فارس،وراح يغزو بقواته،ويشنّ الغارة على مَنْ حوله،فيرجع ظافرا منتصرا،حتى أقلق ذلك عتبةَ بن غزوان،فكتب إلى سعد بن أبي وقاص ليقوِّى ظهرَه بالجنود،فبعث إليه قوما تزينهم كوكبة من المهاجرين..