حلفاؤهم من العرب إلى عبد الله بن المعتمّ بما يجرى أملا في النجاة،ووجدها عبد الله فرصة ما أعظمها،وبابا من الخير قد انفتح واسعا،فدعا هؤلاء العرب إلى الإسلام فأسلموا لله رب العالمين.
ويبدأ دور المسلمين الجدد من أول لحظة،فقد أمرهم القائد عبد الله بن المعتمّ أن يكون صوتُهم صدى لصوته،فإذا سمعوا تكبيره كبَّروا وزحفوا نحو عدوهم وقتلوا مَن استطاعوا منهم.. وما هى إلا لحظات حتى دوّى صوت التكبير من أمام الروم ومن خلفهم،فظنوا أن المسلمين داروا من خلفهم وسيهاجمونهم من ظهورهم،ففروا إلى الأمام ليلاقيهم عبد الله بن المعتمّ وجنوده ووقع قتال شرس فني فيه العدو..
وتقدمت فرقة من جيش عبد الله نحو حصني نينوى والموصل،فاقتحمتهما،حتى صالحوا مَنْ هناك،وصاروا أهل ذمة.
سقطت دولة الفرس يوم فتح المسلمون المدائنَ كما يسقط الجسد ميتا،لكن قوة هذه الدولةِ الماديةَ الهائلةَ جعلتْها تمكث زمنا كالمتردد بين الحياة والموت،فقد كانت مملوءة بالأمراء وذوي السلطان والجبروت،الذين لن يسرهم أن يذهب ملكهم أمام عيونهم وهم يتفرجون،فكم من صاحب سلطان جمع قواته،وكم أمير لملم أوصالا من دولته ليقاتل بها المسلمين.
وهاهو سعد بن أبي وقاص يوجه ضرار بن الخطاب ليقاتل آذين بن الهرمزان الذي جمع جمعا،وخرج بهم إلى أرض سهلة منبسطة حول ماسَبَذان،وكأنه يمهد للمسلمين أن ينتصروا عليه انتصارا سهلا منبسطا! وينحدر آذين بقواته،ويزحف المسلمون نحوهم،حتى التقوا عند بهندف،وفي مشهد حربي سريع عجزت سيوف المشركين أمام ضربات المسلمين السريعة القوية التي اقترنت بها صيحات التكبير والتهليل،حتى انهزم العدو،وأَسَرَ ضرارُ بنُ الخطاب آذينَ بنَ الهرمزان،ثم قدَّمه وضرب عنقَه،ليفر من بقي من الفرس على غير هدى.
وامتد زحف المسلمين حتى نزلوا ماسبذان فأخذوها عَنْوةً وقهرا،" فتطايرأهلها إلى الجبال "،ودعاهم المسلمون إلى العودة ليصالحوهم،فاستجابوا لهم.
من أول يوم تولى فيه عمر بن الخطاب إمارةَ المؤمنين كان يشعر من أعماقه بأهمية جبهة القتال مع الفرس وخطورتها،وكان المسلمون قد ورِثوا من أيام الجاهلية الخوفَ من الفرس وسطوتِهم وسلطانِهم الكاسح؛ لذا ركَّز أمير المؤمين على تطعيم جبهة فارس بالجنود،وترغيب المسلمين في الجهاد هناك،وعمل على إزالة الخوف من نفوسهم.. ومع تقلب الأيام ومرّها،وبعد أن سالت دماء الكثير من الشهداء في أيام الجسر والبويب والقادسية وجَلُولاء وغيرها،أصبحت يد المسلمين هناك هى العالية،ووجد أمير المؤمنين في جند العراق تحت إمارة سعد بن أبي وقاص ما يستعين به لتأديب المشركين أو إعانة المسلمين في جبهات أخرى للقتال..