تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله ريحا أظلمت منها البلاد واسودّت الآفاق ولم يكن هم الفرس إلا العودة إلى حصونهم،والإيواء إلى منازلهم،فسقط فرسانهم في الخندق،ومهدوا في حصنهم طرقا للخيل حتى أفسدوه،فنهض المسلمون وراءهم ليقع قتال لم يقتتلوا مثله إلا ليلة القادسية الأخيرة،إلا أنه كان أضيق وأسرع.. وشق القعقاع ورجاله الطرق حتى وقفوا في مواجهة باب الخندق،وتبعهم باقي المسلمين فتشتت شمل العدو،وتمزقوا يمنة ويسرة،وعقرت خيولهم في الحديد الذي أعدوه للمسلمين،وعادوا مشاة تتخطفهم سيوف هاشم ورجاله،حتى قتل منهم قرابة مائة ألف.

وكان ذلك في السنة السادسة عشرة للهجرة.

"إن فتح الله عليكم جَلُولاء فسرِّح القعقاع بن عمرو في آثار القوم حتى ينزل بحلوان.."،أراد أمير المؤمنين عمر بهذه الرسالة إلى سعد بن أبي وقاص،أن يواصل المسلمون الزحف وراء العدو ليستولوا على آخر خط من الأرض قبل الجبل،ويمنعوا كسرى من جمع الجيوش والاستعداد للقتال من جديد.

والقعقاع بعد ذلك رجل يحب المهماتِ الصعبةَ،أما السهلة فالكل يقدر عليها!! وسار القعقاع برجاله وبالكتيبة الخرساء التي عودت الناس صمت اللسان وضجة السيوف والرماح،وراح يتتبع العدو،ويمسح الأرض منهم مسحا،فمال إلى خانَقين فأدرك مهران الرازي فقتله وفتحها،وانثنى إلى قصر شيرين على مقربة من حلوان فوجد كسرى قد حمل حريمه وعياله وفر إلى الري،فقاتلت الكتيبة الخرساء الفرس في قصر شيرين،طعنا وضربا حتى هُزم الأعداء وقُتِل دهقان حلوان،فانفتحت الطريق أمام المسلمين نحو حلوان،فدخلها القعقاع ورجاله فاتحين.

ما زال حاضرا في ذهنه ذلك الوجه المشرقُ: وجه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم يكن يطمع في غنيمة أو يشتاق إلى سفك الدماء،وإنما خَيْرُ ما طمحت إليه نفسه أن يؤْمن الناسُ بالله ورسوله.. ذاك هو عبد الله بن المعتمّ الذي وجهه سعد بن أبي وقاص في صيف سنة ست عشرة للهجرة لقتال الروم وحلفائهم من العرب المجتمعين في تكريت.. هناك تختلط الألسن والألوان والملابس الفارسية والعربية والرومية.. وهناك أيضا يتحالف الأعداء ويضع كل منهم يده في يد الآخر لحرب المسلمين،الروم والفرس ونصارى العرب.. وتأتى خيول المسلمين يقودها عبد الله تطوي الأرض طيا،وتقطع المسافات قطعا،حتى تنزل وتحط رحالها على أبواب تكريت التي تحصن أهلها وخندقوا على أنفسهم.. ولكن يا لها من متعة يحبها المسلم،حيث يرابط في وجه عدوه،لا أحد يمنعه من الصلاة ولا من ذكر الله تعالى،ويقف موقفا يغيظ الكفار،ويأخذعلى كل لحظة من ذلك أجرا من الله تعالى..

ومرت أربعون يوما على حصار المسلمين لتكريت،مرت على العدو دهرا طويلا،حتى أيقنوا أن ما لحق بإخوانهم في دمشق بعد الحصار الشديد سوف يلحق بهم أيضا،فأخذ اليأس بنفوسهم،وسيطر عليهم الخوف والرعب ونظروا حولهم فوجدوا أُسُودًا تقف أمام حصونهم وخنادقهم تتحيَّن فرصة للدخول،فراح الروم يعصون أمر قادتهم،ونقلوا متاعهم إلى السفن استعدادا للفرار.. وهنا يكتب

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٠٤