لم يبق سوى النهر حاجزًا بين المسلمين وبين كسرى بعد نصر القادسية وفتح بَهُرسير،وأناشيدُ التكبير لازالت ترفعها حناجر المسلمين فتتصاعد إلى السماء وتعطر الأنحاء،وترسم سعادة المسلمين وفرحتهم بنعمة الفتح والنصر.. وينظر سعد إلى جنوده يبادلهم التهانى ويبادلونه،ولكنه يريد أن يؤجل الفرحة حتى تتم المهمة بفتح المدائن القصوى التي فيها منزل كسرى،فيسرع بالخيل نحو النهر ليعبره،ولكن العدو كان قد هدم الجسر،وضم السفن إليه،فيا لَها من فرصة ضاعت! وتحوَّل المسلمون إلى الصبر سلاحا أقوى من السيوف والرماح،حتى يأذن الله بالفتح..
تُرَى،هل يعجز المؤمنون حقا ويتركهم ربهم الذي يتوكلون عليه دون أن ينصرهم؟! لا.. إنه يفتح لهم أبواب النصر واسعة.. كان الصيف هادئا لطيفَ الحرارة،قد تسلطت شمسه على ماء النهر وأرض الشاطئ،غير أنها لا تلسع ولا تحرق،فجاء إلى سعد بن أبي وقاص أهل الدراية والعلم بدجلة،ممن تربَّوْا على شواطئه منذ طفولتهم،فأكلوا منه وشربوا،فدلُّوا القائدَ على موضع يمكن أن تخوض منه خيول المسلمين إلى الضفة الشرقية،فتأنى سعد وتمهَّل حتى اطمأن قلبه،فكان عبورا رائعا من المسلمين ذلك الذي قامت به الخيول والجنود،فدخلوا المدينة وقد خلَّفوا النهر وراءهم،فوجدوا كسرى وأتباعه قد فروا هاربين إلى حلوان وغيرها،ولم يلاقوا من العدو إلا مقاومة ضئيلة عند القصر الأبيض،انتهت بالتسليم وقبول شروط المسلمين بدفع الجزية.
أنصِتْ،فإن التاريخ يروى لك واحدا من مشاهده المهمة يقول: في صدر سنة ست عشرة من الهجرة خضعت المدائن كلها لسلطان أهل التوحيد المسلمين،فراحوا يطوفون بشوارعها وطرقها،يشاهدون النعمة التي انتزعها الله من قوم ومنحها آخرين،راحوا يتعجبون من المبانى الضخمة والطرق الممهدة المعدة كيف لم تنفع أصحابها،ولم ترد الهزيمة عنهم؟! لكنهم علموا أن ذلك كله لا يغنى شيئا إذا كانت النفوس مخربة،والأخلاق منحرفة..
يقول التاريخ: ثم بلغ القائدَ الجليلَ سعدَ بنَ أبي وقاص أن الفرس قد اجتمع لهم جمعٌ كبير بجلولاء،وأحاطوا أنفسهم بالخنادق تحت قيادة مهران الرازي،كما عسكر أهل الموصل بتكريت،فأرسل سعدٌ هاشمَ بنَ عتبة في اثني عشر ألفا تزينهم مصابيح من المهاجرين والأنصار وأعلام العرب،وكان من مكر أهل فارس أن وضعوا في طرق المسلمين قطعا من الحديد ذات أسنان لتصاب فيها خيل المسلمين وجنودهم..
يقول التاريخ: ونزل هاشم بجنوده على خنادق العدو،فظل يتلقى المدد من سعد بن أبي وقاص،كما كان المدد والتشجيع والأموال الطائلة تأتي من كسرى بحلوان إلى جنوده ليثبتوا... ولم يكن المسلمون يحبون أبدا الجمود في ساحات القتال،فإما تسليم وإما قتال،فظلوا يزحفون على عدوهم،ويصدون الزحف عنهم ثمانين يوما،ثم خرج الأعداء خروجا عاما،فامتلأت آذان المسلمين بصرخات قائدهم هاشم: أبلوا الله بلاء حسنا.. اعملوا لله.. فاختلط الجيش بالجيش في قتال مرير وصراع فظيع،فبعث