وتمزقت،وداستها خيول المسلمين،وقطفت السيوفُ زهرةَ قادتِها،ووقف المسلمون بجيوشهم على حصون بَهُرسير وخنادقها،والتي إذا سقطت في أيديهم فلن يصبح بينهم وبين القصر الأبيض الذي ينام فيه كسرى سوى نهر دجلة..! نزل المسلمون على خنادق المدينة وحصونها فخنقوها وحاصروها شهرين،ومنعوا الفرس من الحركة إلى الأمام،وقاتلوهم بكل ما يستطيعون: فقذفتهم المجانيق والعرَّادات بالحجارة،وراح الرجال يفتحون في الحصون ثغرات ليهدموها،ويضربون مَنْ خرج إليهم بالسيوف والحِراب،حتى مات الأمل في نفوس الفرس،فبعث مَلِكُهم إلى المسلمين يطلب الصلح بكلمات تقطر غيظا مخلوطا بكبرياء كاذبة،فأبى المسلمون الصلح ورفضوه،فراح الفرس يتسربون من المدينة إلى شرقي المدائن وقد ملأهم الرعب حتى خَلَتْ منهم بَهُرسير،ولما علم القائد سعد بن أبي وقاص بذلك دخلها وجنودُه في جوف الليل حتى بدا قصر كسرى الأبيضُ لعيونهم على الضفة الأخرى كأنه لؤلؤة تتراقص في نواحيها أضواء القمر،فنادى ضرارُ بن الخطاب وهتف من أعماقه: "الله أكبر،أبيضُ كسرى،هذا ما وعد الله ورسوله"،وكبَّر المسلمون،ورفعوا صوتَهم بشعارهم هذا،شعارِ العزة،حتى طلع الصباح مبتسما،ونادى المؤذن للصلاة..
ها هى السكينة تكسو سعد بن أبي وقاص ثوبا واسعا منها،قد زيَّنه الإيمان،وجمله حب الله ورسوله،فقد عرض عليه سكان القرى الجالسة على شواطئ دجلة وحوله أن يعبر النهر من موضع هين سهل،لكنه تردد في قبول ذلك،خوفا من أن يصيب المسلمين ضرر أو مكروه،ثم حملته قدماه إلى النوم ورأسه مشغول بدجلة وعبوره،فرأى في نومه أن المسلمين قد عبروا النهر بخيولهم ورجعوا بخير كثير،فما انكشف عنه النوم حتى راح يأمر جنوده بالاستعداد للعبور..
ولم يكن القائد يفهم أن العبور مغامرة غير محسوبة يقوم بها لتحقيق رؤياه،بل كان يرى أن قدر الله المكتوب لا يمنع من التخطيط والترتيب،فخرجت كتيبة الأهوال يقودها عاصم بن عمرو،ليكونوا أول من يعبر النهر ويؤمِّن عبور بقية الجيش،فرأى الفرس ذلك فاقتحمت كتيبة منهم النهر لتواجه كتيبة الأهوال،وراح الموج المتلاطم يشهد تلاطم الكتيبتين وتصادمهما،ورأى النهر المسلمين يخرجون حرابهم يضربون بها عيون أعدائهم وينخسون بها خيولهم،حتى فروا وتبعهم المسلمون فلم يفلت من الموت إلا قليل من الفارين.. ووقفت كتيبة الأهوال تؤمن عبور المسلمين كما تقف الجبال،ويتحرك سعد بجنوده،يعلم أن الحُكم لله والحول والقوة والسلطان لله،ويذكّر المسلمين بذلك..
وكان العبور آية من آيات الله وكرامةً لأوليائه الذين ضمهم هذا الجيش،فقد كان دجلة هائجا هياج دلال لا هياج غضب،يقلب ماءه حتى اسود لونه،فاقتحمه المسلمون حتى امتلأ بالخيل والناس،واختفي الماء فصار الواقف على الشاطئ لا يرى إلا خيلا وبشرا،ونظر سلمان الفارسي إلى الوطن الذي هاجر منه،ورأى المسلمين وقائدُهم يبتهل إلى الله ويدعوه فقال سلمان: "ذُلِّلت لهم والله البحار كما ذُلل لهم البر"! فعبروا وما فقدوا في الماء شيئا سوى قدح قذف به النهر إليهم بعدها!!