يضرب كسرى بعسكره الضخم،سعد الذي كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يناوله السهام في بدر ليرمي بها المشركين ويقول له فداك أبي وأمي،قد أصبح اليوم سهما وضعه خليفة خليفة رسول الله في قوسه ورمى به أهل فارس في عقر دارهم وعاصمة مُلْكهم..
يسير سعد بجنوده ولا حديث لهم إلا نعمة النصر التي أفاض الله بها على عباده في القادسية،وإلا أمل في أن تتم النعمة وتفتح أبواب المدائن لهم،فسيَّر سعد بن أبي وقاص زُهْرَةَ بنَ الحَوية إلى بُرس وبابل ليلقى الفرس فيهما،ثم سار سعد بعد النصر في جيشه كله ليفتح المدائن من جهتها الغربية،ويعبر دجلة بعدها،ويفتح المدائن الشرقية،ويدخل القائد وجنوده القصر الأبيض الذي رآه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حينما ضرب الصخرة في الخندق،فبشر المسلمين بالفتح الذي يرونه اليوم بأعينهم.. وراح القائد يتلو في خشوع تلك الآيات التي كان يتلوها بمكة،ويتحدى بها النبي والمسلمون عَنَتَ قريش وعنادها.. ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جنَّاتٍ وعُيونٍ. وزروعٍ ومَقامٍ كريمٍ. ونَعْمَةٍ كانوا فيها فاكِهين. كذلكَ وأوْرَثْناها قومًا آخرينَ )[ الدخان: 25 - 28 ]. وفَعَلَ فِعْلَ حبيبِه محمدٍ ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فصلى صلاة الفتح ثمانى ركعات في غير جماعة..
ها هى الطريق تنفتح نحو المدائن،وتنزاح العقبات من أمام جيش المسلمين واحدة بعد الأخرى،والقائد سعد يقدر لكل عقبة ما يناسبها من الجنود حتى لا تعطِّل مسيرةَ جيشِه المنطلق نحو المدائن.. أخذ سعد يحرِّك جيشه قطعةً قطعةً،وعلى كل واحدة منها قائد كبير من رجاله،فكان في المقدمة زُهْرة بن الحَوية،الذي اتجه إلى برس فلحقه عبدالله بن المعتمّ وشُرَحْبِيل بن السِّمط وانضما إليه،لتكون الذراع أقوى،والضربة أوجع.. وفي جولة جديدة،ولكنها قصيرة الزمن ضيقة الميدان،يقاتل المسلمون الفرس يقودهم بُصْبُهْرى،ويطعن زُهْرةُ قائدَ العدو،فكانت نصيبَه الذي مات منه بعد انتهاء المعركة،كما طعن المسلمون جنود عدوهم حتى قتلوهم،واضطروا من بقي إلى الفرار نحو بابلَ،المدينةِ التاريخيةِ التي راحت تشهد الأنفاس الأخيرة المتلاحقة لدولة شاخت،حيث اجتمع فيها الفارُّون من معركة القادسية والمهزومون يوم برس،وكثير من قادة الفرس وزعمائهم الكبار كالفيرزان ومِهران الرازي والهرمزان،لا ليثبتوا في وجه المسلمين،ولكن ليجددوا فرارا وهربا بعد فرار وهرب،فقد صدمهم المسلمون بقوة فلم يصبروا ولم يثبتوا،وهرب كل واحد منهم إلى ناحية.. وتتسع خطا زُهْرةَ وجنودِه بأمر من القائد سعد،فيَصِلُ إلى كُوثَى حيث تجمع بها للفرس جمع يقوده شهريار،وكانت مبارزةُ أحدِ المسلمين وقتلُه للقائد الفارسي كفيلةً بأن تنهى المعركة قبل بدئها،حيث تشتت جمع الفرس،وذهبوا في البلاد يطلبون النجاة.
لقد ضحى ملوك الفرس بهذه المئات الآلاف من جنودهم الذين حاربوا المسلمين،حتى تبقي قصورهم وعروشهم في أمان،ويظلَّ مُلْكهم قائما محروسا من الزوال،وها هو كسرى يَزْدَجِرد يبصر بعينيه حصادَ هذه الجهود كلِّها خيبةَ أملٍ وضياعًا،فالجيوش التي كانت تمثل حصونا ودروعا لمُلكه قد انهارت