تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع قدوم الليل بعد قتال يوم عماس يهدأ الموقف قليلا،بينما القمر يتدلى من السماء،ويرسل على ساحة القادسية أشعة خافتة تلمع لها صفحات السيوف.. لقد تعبت الأصوات من طول الصراخ بالنهار،فلما جاء الليل هدأت تماما.. ثم استؤنف القتال،وصارت لغة السيوف هى المسموعة،وترجل كثير من المسلمين عن خيولهم،ولم ينتظروا أميرهم سعد بن أبي وقاص حتى يكمل تكبيراته الثلاث ليزحفوا من جديد على عدوهم،فمنهم من زحف قبلها،ومنهم من زحف قبل اكتمالها ثلاثا،ثم دخلوا جميعا حومة القتال مع تكبيرة سعد الثالثة...

وكان الليل غطاء شفافا من الظلمة اختبأت الحرب تحته،حتى اختلط الجيشان،وتداخلت الصفوف،واحتجبت الأخبارعن القائدَيْن،وراح سعد يبتهل إلى ربه ويدعوه في ذلة وضراعة.. وظل القتال ساخنا يغالب برودة الليل والشتاء والكِفَّةُ تميل بقوة ناحية المسلمين،حتى طلع النهار،فهبت ريح عاصف حملت جهة العدو ترابا كثيفا،دخل عيونهم وأنوفهم وآذانهم،وراح المسلمون يخترقون صفوف عدوهم ويشقونها كما تشق السفينة الماء،حتى وصلوا إلى سرير رستم،الذي أراد الفرار،فكان هلال بن عُلَّفة له بالمرصاد حيث قتله،ونادى في المسلمين بذلك،فشدوا على قلب العدو،حتى فرغت قوته وهلك تحت الضربات الفاتكة،ولم يجد الفرس في قوس الصبر بقية،فهرب أكثرهم،فمنهم من أراد أن يعبر النهر وراء الجالينوس،ومنهم من توجه شمالا،ومنهم من هرب جنوبا،فأمر سعد رجاله بتتبع الفارين،فسار زهرة بن الحَوية وراء الجالينوس حتى قتله،وتتبع القعقاع وعاصم وشُرَحْبيل بن السِّمط بقية الفارين فقتلوهم في كل قرية ومخبأ وشاطئ نهر،ثم أدركوا صلاة الظهر مع إخوانهم بالقادسية ... وغنم المسلمون ما لا يُحْصَى كثرةً،بعد أن استشهد منهم ثمانية آلاف وخمسمائة،وقُتِلَ من العدو حوالى ثمانين ألفا..

وكتب سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخبره بالنصر والفتح المبين.

وكانت القادسية بأيامها جميعا في شهر المحرم من سنة أربع عشرة من الهجرة.

جميل هذا المنظر لو رأيتَه من فوق ربوة عالية،أو أبصرتَه راكبا سفينة تعبر النهر،دجلة يشق الأرض ويحتضن المدن من حوله،كاحتضان الأم بناتها الصغيرات،وها هو ذا يشق أفخم مدن الدنيا وأملأها بالقصور،يشق مدينة كسرى الكبرى: المدائن،فبعضها يرتمي على الشاطئ الغربي لدجلة كأنه يستريح على الضفاف،وبعضها يجلس جلسة الأسد على الشاطئ الشرقى منه حيث يقيم كسرى،ويحيط نفسه بأكبر مظاهر الترف،يلبس الحرير،ويدوس على الحرير،ويَجلس على الذهب،ويأكل فيه.. بينما الكثير من رعيته يتخذ تراب الأرض فراشا،والسماء من فوقه لحافا وغطاء،ومن الخبز الجاف طعاما،والماء العكر شرابا.. بؤس وترف،ما اجتمعا في قرية إلا هلكت،وذهب الله بالنعمة من أهلها..

ويرسل عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص بعد فتح القادسية العظيم يأمره بأن يطلق سهامه جهة عاصمة كسرى: المدائن.. سعد الذي ضرب أبا جهل بالأمس بعظم جمل مطلوبٌ منه اليوم أن

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٠٠