تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبدأت الشمس تُسرِّب أشعتها إلى أرض القادسية على استحياء،فإذا بمائة جندي مسلم قد أقبلوا من جهة الشام،فكبر القعقاع وكبر المسلمون معه،ليوهموا العدو أن مددا قد أقبل،ولم يكن هؤلاء إلا أصحاب القعقاع الذين جاءوا بالأمس في مقدمة جيش هاشم بن عتبة القادم من الشام،والذي تأخرتْ ساعةُ وصولِه بباقي القوات في هذه المرحلة الحرجة من المعركة،فمتى يقبل هاشم ببقية الجيش،لتترجح به كفة المسلمين؟ متى؟

ينشب القتال حاميا،وأصحاب القعقاع يتتابعون مائة مائة،وكسرى يَزْدَجِرْد يتابع أخبار جنوده،ويتابعهم بالمدد تلو المدد،والأفيال تتقدم لتقوم بدورها،يتقدمها المشاة لحمايتها من سيوف المسلمين وسهامهم،وراكبو الخيول يحمون المشاة من سيوف المسلمين،فطلعت أول مجموعة من جيش هاشم،وظلوا يتوافدون سبعين سبعين،والمسلمون يكبرون قد غمرتهم الفرحة،فحميت الحرب،وراح القتال يشتعل،فلا يبلغ فريق من الآخر شيئا ولا يتقدم عليه إلا رجع الآخر ليصيبه بمثل ذلك.. ثم انفسح الطريق أمام الفيلة لتقوم بدورها في تنفير خيول المسلمين وتفريق كتائبهم،وكان يقودها فيلان: أحدهما أبيض والآخر أجرب،فكلف سعد بالأول اثنين من تميم وبالثانى اثنين من بنى أسد،فمنهم من قتل الفيل ومنهم من أصابه،لتخرج الفيلة من المعركة،وتعود الحرب بين البشر وبعضهم البعض.. كل هذا وكِفَّتا الطرفين لا تَرْجَحُ إحداهما على الأخرى.

جرّب الفرس الأفيال في حروبهم،فحملت عن الجنود عبئا كبيرا،وفعلت ما لم تفعله السيوف أو الخيول،لكن المسلمين في اليوم الأول من أيام القادسية قطَّعوا أحزمتها،فحرموا الفرس من الانتفاع بها في اليوم الثانى حتى مالت كِفَّة الحرب جهة المسلمين... وها هى الأفيال في اليوم الثالث من الحرب ترجع،وقد وكّل الفرس بها من يحرسها من المشاة والخيالة،ومع اشتداد القتال انفتح الطريق أمام الأفيال لتعبث بصفوف المسلمين،فكان لابد من إيقافها،ومنع العدو من الاستفادة بها.. ويرسل سعد إلى ذوى الخبرة يسألهم،فبعث إلى من أسلم وانضم إليه من الفرس وسألهم عن مَقاتِل الفيلة التي إذا أصيبت فيها عادت بلا فائدة،فأخبروه أنها العيون والخراطيم.. وينظر القائد من فوق قلعته إلى ساحة الحرب،فيرى ثلاثين فيلا ضخما،ويصوب بصره فيرى من بينها اثنين لا يسيران إلا سارت وراءهما بقية الأفيال،فكلف القعقاع بن عمرو وأخاه عاصما بقتل الفيل الأبيض،وحمَّال بن مالك والربِّيل بن عمرو من بني أسد بالفيل الأجرب،فذهب القعقاع وعاصم على فرسين وفي يد كل واحد منهما رمح،وقام بعض مشاة المسلمين بمشاغلة الفيل،فانطلق الرمحان معا وبسرعة هائلة،ليستقرا في عيني الفيل الأبيض الذي سقط إلى الأرض،وقتل المسلمون من يقوده،وهجم حمّال والربِّيل على الفيل الأجرب فأصابه أحدهما في عينه وقطع الآخر خرطومه،فولى هاربا حتى عبر النهر،وتبعته بقية الفيلة لتخرج من المعركة الساخنة مهزومة،ويهلك مَنْ فوقها...

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٤٩٩