تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسافة،فكانوا يأتون إلى أرض المعركة متتابعين كما يأتى المطر،فألقى القعقاع ومَنْ معه على إخوانه السلام،وأخرج لعدوه السيف البتار،وراح يطلب المبارزة،فخرج إليه بَهْمن جاذويه،فلما رآه القعقاع وعرفه،صرخ: يا لثارات أبي عبيد وسَلِيط وأصحاب يوم الجسر! وراح يبادله الضربات القوية حتى خرَّ القائد الفارسي صريعا،فامتلأت نفوس المسلمين حماسة وفرحا،وراحوا يزحفون من كل ناحية،واشتدت الحرب والضرب الطعان،وهجم القعقاع وبنو عمه على العدو وقد بَرْقَعُوا الخيولَ وغَطَّوا وجوهَها،حتى أخافوا خيول العدو ونفَّروها،وظل المسلمون يتقدمون على عدوهم ويعوضون تراجع الأمس،حتى اعتدل النهار،فتجدد زحف الجيوش على بعضها البعض،وخرج أبو مِحْجن الثقفي من مَحْبِسه يركب البلقاءَ فرسَ القائد سعد،ويلعب برمحه وسلاحه،ثم كبَّر وهجَمَ على العدو،وكرَّ عليهم من الميمنة والميسرة،وراح يضربهم ويقصفهم قصفا هائلا....

وغربت شمس اليوم الثانى بتقدم واضح للمسلمين،حتى كاد رستم نفسُه أن يقتل،إلا أن المعركة لم تحسم تمامًا.

يا لعظمة الرجولة المزيَّنةِ بالإيمان حين تُضَحِّى،إنها تعطي وتعطي وتعطي،لا تفرق بين ميدان وميدان مادام الكل طاعةً لله،وقد انتقل خالد بن الوليد بنصف قوات المسلمين بالعراق إلى الشام بعد أن كسر بهم الفرس عدة مرات،ودَوَّخَ قواتِهم فى معاركَ كثيرةٍ. وفى الشام سجل هؤلاء الأبطال آية كبيرة من آيات النصر يوم اليرموك،حين شاركوا إخوانهم هناك فى تشتيت شمل الروم،وسقَوْهم كئوسَ الهزيمة المُرَّةِ.

وقد آن الأوان لكى ترجع هذه الصقور مرة أخرى إلى العراق،فالجبهة هناك تناديهم،جبهة الجموع الغفيرة،والقادة الخبراء،والإمبراطورية المجوسية الشرسة التى حشدت قواتها فى القادسية..

ولما وصلت بشارات النصر فى اليرموك إلى المدينة،كتب عمر بن الخطاب إلى صديقه الحبيب أبى عبيدة يأمره بصرف جنود العراق إلى العراق،ويأمرهم بالحث والإسراع إلى سعد بن أبى وقاص هناك.. وخرج الآلاف العشرة الذين قَدِمَ بهم خالد بن الوليد من قبل،وقد وُضع مكان كل شهيد منهم رجلٌ آخرُمن غيرهم،يقودهم هاشم بن عتبة،وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو،وعلى الميمنة والميسرة عمرو بن مالك الزُّهْرِى،وربعي بن عامر..

وكما يأتى كوب الماء لينقذ العطشان من الهلاك،جاء هؤلاء نجدة لإخوانهم فى معركة القادسية،فانقلب الميزان لصالح المسلمين،وحققوا نصرا كبيرا. وبقي خالد بن الوليد إلى جانب أبى عبيدة يجاهد ضد الروم فى الشام،حتى توفاه الله هناك.

مع تباشير هذا اليوم ظهر أن شهداء المسلمين ألفان،وقتلى المشركين عشرة آلاف.. وهذا حصاد يومين من القتال،فماذا يخبئ الغيب في اليوم الثالث؟ لقد عاد الفرس هذه المرة وقد خسروا العديد من قادتهم الكبار،لكنهم أعادوا تجهيز الفيلة لتخوض المعركة الساخنة...

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٤٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٤٩٨