راح سعد يوزع الناس هكذا،وكأنه يريد أن يضع في كل جزء وكل قطعة صغيرة من جيشه واحدا أو أكثر من أهل الإسلام الأولين،ورجالِه الذين حَمَوْهُ في الظروف الصعبة.. إن قطعة الجيش التي تخلو من هؤلاء هى قطعة ميِّتة لا فائدة فيها،والأمير لا يريد أن يقاتل ميتا بميت،بل يريد القتال بجيش حي بروح الإيمان،مشبَّع بأنفاس التقى والشوق إلى الجهاد في سبيل الله تعالى،ونيل الشهادة لأجله.
تَرَى العين عدوَّها الضخم فتهاب كثرة عَدده وعُدَّته،فتلقي العين على اليدين والرجلين وسائر الجوارح ثوبا من الارتباك والخوف والتردد،فإذا ذكَّرْتَ القلبَ بمبادئه عادت إليه يقظته وراح يرش من يقينه على الجوارح،ليندفع صاحبها كالسهم لا يبالى بمن أمامه ...
لقد أراد سعد بن أبي وقاص أن يُذهِب هيبة المسلمين لعدوهم من النفوس،أراد أن يصور لهم الجنة والنار،وجهاد المؤمنين وسكينة نفوسهم،أراد سعد أن يرش من يقين القلوب على الأجساد لتقاتل صابرة مقبلة،غير عاجزة ولا مدبرة،لترى العدو عددا وعتادا لا قيمة لهما...
فراح القارئ يمر على المسلمين كتيبةً كتيبةً،يقرأ عليهم سورة الجهاد،سورة الأنفال،بل راح المسلمون يتعلمون هذه السورة المباركة،فتحولت ساحةُ الحرب إلى مدرسة كبيرة يتعلم المسلمون فيها مبادئ الجهاد من كلام الله تعالى،" فهَشَّتْ قلوبُ الناس وعيونُهم،وعرفوا السكينة مع قراءتها". ثم قام ذوو الرأي والنجدة والشعراءُ في الناس يذكِّرونهم بالله ووعده للمجاهدين،وبالرسول وبشارته بالفتح المبين،ويحرضونهم على قتال العدو والصبر في مواجهته،فاشتعلت الحماسة في النفوس،ورش القلب من يقينه وثباته على الجوارح والأعضاء..
ما جاء بكم؟
اللهُ ابتعثنا،واللهُ جاء بنا لنخرج مَنْ شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتِها،ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام ...
إنه جزء من الحوار الذي دار بين مبعوث المسلمين إلى الفرس رِبْعِيِّ بنِ عامر وبين رستم قائد المشركين في القادسية ... وقد طلب رستم بنفسه أن يرسل المسلمون إليه أحدا يكلمه،إنه يريد أن يعرف ماذا جاء بهؤلاء؟ فإن كان أخرجهم الجوع زوَّدهم بما يكفيهم من الطعام،وإن كان أخرجهم الطمعُ أعطاهم من المال ما يملأ عيونهم.. فاختار له سعدُ بن أبي وقاص أدهى الرجال وأذكاهم،وأعد رستم أبهى المجالس وأكثرها فخامة،وأبرزوا الذهب والحرير في ملابسهم ومفارشهم،حتى يُرُوا هؤلاء الخارجين من عالم النسيان عظمة فارس،وشدة بأسها،واتساع غناها وثرائها!
ويأتى أول وافد من المسلمين رِبْعِيُّ بنُ عامر،مستهينا بكل هذا،حتى لم يصر عنده فرق بين حريرهم وبين ألياف الحبال،ولا بين ذهبهم وحصا الأرض،فأذلَّهم باستهانته،واحتقرهم في احتقاره لزينتهم،وغلبهم قبل المعركة،وعلَّمهم أنه لم يُخْرِج المسلمين من جزيرتهم جوع ولا طمع،ولكنه تحرير العباد،وتوصيل صوت الدين الخاتم إلى العالم.. وعرض رِبْعِىٌّ على القوم الإسلام أو الجزية أو