والجزيرة والأهواز ورامَهرمز وتُستر والسُّوس وجنديسابور ونهاوند. وفُتحت الأُبُلَّة بأمر مباشر من أمير المؤمنين عمر لعتبة بن غزوان.
للتاريخ بناتٌ يزوجهن من الأمم والشعوب،وكم زوَّج التاريخُ المسلمين من بناته.. والقادسية بمعركتها الساخنة ونصرها الحاسم واحدة من هؤلاء البنات،بل من أكثرهن حسنًا،وأحبهن إلى القلوب ... ولكن أَبِكُلِّ هذه الضخامة تأتى التجربة الحقيقية الأولى لسعد بن أبي وقاص في القيادة؟! لقد خرج إليه الرجل الثانى في مملكة فارس بنفسه في مائة وعشرين ألفا تساندهم الفيلة كعادتهم،خرج رستم بنفسه وهو متشائم من هذا الخروج تشاؤما لم تقللْ منه كل هذه القوة الهائلة التي خرجت في صحبته ...
وأما سعد بن أبي وقاص فقد نزل بجيشه زرودَ في صدر الشتاء،وظلت القوات والأمداد تلتحق به لتزيد قوة جيشه،فأرسل المغيرة بن شعبة في خمسمائة جندي لحماية المسلمين من أي زحف من الجنوب جهة الأُبُلَّة،ثم أخذ سعد بن أبي وقاص في تنظيم جيشه،وتوزيع الأدوار على رجاله،وسار نحو القادسية مارا بشَراف فعُذَيب الهِجَانات،ونشر الغارات فيما حوله،وبعث الطلائع،ليعرف أخبار العدو،ويقضى على الجيوب المعادية ليمنع شرها ويكفي نفسه خطرها ... وأما رستم فقد توجه إلى القادسية: ساحة المواجهة مارًا بساباط والنجف ومخترقا الحيرة،فجاءته وفود المسلمين تدعوه إلى واحدة من ثلاث الإسلام أو الجزية أو الحرب.. ويستكمل المسلمون استعدادهم للحرب التي اختارها الفرس،فينشر سعد وسط جنوده قُرَّاءَ القرآن والشعراء والخطباء ليقوموا بدور إعلامى رائع يرفع الهمم،ويقوِّي العزائم،ليبدأ القتال بعدها ويستمر ثلاثة أيام وليلة: يوم أرماث،ويوم أغواث،ويوم عماس،وليلة الهرير التي قطع فيها دابر الفرس،وتشتت شملهم،حتى لقى قائدُهم الكبير رستم مصرعه،وكتب سعد إلى أمير المؤمنين عمر بالفتح العظيم.
بضعة وسبعون رجلا من أهل بدر،وأكثر من ثلثمائة آمنوا قبل بيعة الرضوان،وثلثمائة ممن شهدوا فتح مكة مع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ... هذه هى القوة الضاربة في جيش المسلمين في القادسية،والروحُ السارية في أنحائه،ولم يزد عدد هذا الجيش في أيٍّ من مراحل المعركة على ثلاثين ألفا...
وقف سعد بن أبي وقاص على جنده بشَراف،بعد أن عاد المغيرةُ بن شعبةَ وانضم إليهم،وراح القائد يرتبهم وينظم صفوفهم،فوزعهم عشرةً عشرةً،وجعل على كل عشرةٍ عريفًا،وأخذت عينه تقع على أهل الفضل والسابقة إلى الإسلام ليولِّيَهم قيادة تكوينات الجيش،فها هو الصحابي زُهرة بنُ الحَوِيَّة على مقدمة الجيش،والصحابي عبد الله بن المُعْتَمِّ على الميمنة وعلى الميسرة شُرَحْبِيل بن السِّمط الكِنْدِيّ الشاب الذي قاتل المرتدين وهو دون الثامنة عشرة،وعاصم بن عمرو التميمي على المؤخرة،وعلى الطلائع سواد بن مالك التميمي،وحمَّال بن مالك الأسدي على المشاة،وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي كما جعل سعد خالد بن عُرْفُطة خليفة له...