تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن حاجة البشر إلى هُداة صالحين، كحاجة الأرض الجُرُز إلى ماء الغَمام، والجِياع إلى قِوام الطعام.

ولكن كثيراً من العاملين الباذلين يبتغون الحرص على رضاء الناس، والازدلاف إلى قلوبهم، ويرجون أن يروا لكل عمل أو قول يقدّمونه أثراً ظاهراً في عيون النّاظرين، وآذان السّامعين، وأفواه المتكلّمين، فكلما وُلدت في نفوسهم مشاعر العُجب والارتياح المُدْلي إلى الغرور، أرخَوْا لأَخيلتِهم العنان، لتسرح في أحاسيس الناس وأحكامهم، ويتساءلون هل رضي المشاهدون أو السَّامعون أو القارئون عن أعمالهم أم سخطوا؟ ويستنبئون كل غادٍ أو رائحٍ عن رأيه في أقوالهم وأفعالهم، فإن يسمعوا مدحاً وثناءً، طاروا به فرحاً وإعجاباً، وإن يسمعوا ذَمّاً وهِجاءً، حَصِرت صدورهم غيظاً وإياساً.

إن ظواهر الحياة وأحداثها تدلّ على أن الكثيرين من المصلحين، ومن دعاة الإحسان وسُعاة الخير، لم يحرِّروا سرائرهم، ولم يختبروا صدق نواياهم، فلا يعلم أحدهم إذا كان يحدِّث الناس ليُعجبهم أم لينفعَهم، وإن كان يكتب للناس ليُطْربهم أم ليُرشدهم، وإذا أسدى إليهم البرّ والمعروف ليخدمهم أم ليستخدمهم؟! وهل يفعل ذلك وغيره ليقول له الناس: أحسنت وأجدت، أم ليقول لسان حالهم: تركت في نفوسنا أثراً طيّباً مما فعلت!

ومن هؤلاء من يظنّ نفسه أنه ابنُ بَجْدة الإصلاح، وقُطب دائرته، وهو في حقيقة الأمر لا في العير ولا في النفير، وما هو إلا مغرور ضعيف النفس، كثير النّقص، يرى في نفسه أضعاف ما يرى فيه غيره (1) .

7- الاحتفال برضاء الله لا الناس، فالمهم رضاء الله حتى وإن سخط عليه الناس ( مع مراعاة الاحترام والحكمة )، فعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَسْخَطَ اللَّهَ بِرِضَا النَّاسِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ (2) .

وإرضاء الناس كلهم غاية لا تُدرك، وما أجمل قول القائل :

فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترْضى والأنامُ غضابُ

(1) - http://alboraq.info/showthread.php?t=37921

(2) - صحيح ابن حبان - (1 / 511)(277) صحيح

الخلاصة في فقه الدعوة · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فقه الدعوةص ٧٥