لقد رباها بشتى التوجيهات، وشتى المؤثرات، وشتى الابتلاءات، وشتى التشريعات وجعلها كلها حزمة واحدة تؤدي دورا في النهاية واحدا، هو إعداد هذه الأمة بعقيدتها وتصوراتها، وبمشاعرها واستجاباتها، وبسلوكها وأخلاقها، وبشريعتها ونظامها، لأن تقوم على دين اللّه في الأرض، ولأن تتولى القوامة على البشر ..
وحقق اللّه ما يريده بهذه الأمة ..واللّه غالب على أمره ..وقامت في واقع الحياة الأرضية تلك الصورة الوضيئة من دين اللّه ..حلما يتمثل في واقع ..وتملك البشرية أن تترسمه في كل وقت حين تجاهد لبلوغه فيعينها اللّه . (1) .
8- قال الله - تعالى - في سورة آل عمران: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (160) سورة آل عمران.
أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته ﴿ فلا غالب لكم ﴾ فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعُدد، لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه.
﴿ وإن يخذلكم ﴾ ويكلكم إلى أنفسكم ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق.
وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ بتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار.
وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله (2) .
(1) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 983)
(2) - تفسير السعدي - (1 / 154)