وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ قَوْلاً وَاحِدًا ، وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ رِوَايَتَانِ :
إِحْدَاهُمَا : تَجِبُ ، لأَِنَّهُ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً ، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ ( سورة النساء / 94 ) .
الثَّانِيَةُ : لاَ دِيَةَ ، لأَِنَّهُ قَتَل فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ ، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ (سورة النساء / 92 ) وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً . (1)
وَعَدَمُ وُجُوبِ الدِّيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ . (2)
َيَقُول الْجَمَل الشَّافِعِيُّ : وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ إِنْ عُلِمَ الْقَاتِل ، لأَِنَّهُ قَتَل مَعْصُومًا ، وَكَذَا الدِّيَةُ ، لاَ الْقِصَاصُ ، لأَِنَّهُ مَعَ تَجْوِيزِ الرَّمْيِ لاَ يَجْتَمِعَانِ . (3)
وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْلَمَ بِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الإِْمْكَانِ تَوَقِّيهِ . (4)
وَيَنْقُل الْبَابَرْتِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَال : إِنْ قَصَدَهُ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الدِّيَةُ ، عَلِمَهُ مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِعَيْنِهِ بَل رَمَى إِلَى الصَّفِّ فَأُصِيبَ فَلاَ دِيَةَ عَلَيْهِ .
وَالتَّعْلِيل الأَْوَّل أَنَّ الإِْقْدَامَ عَلَى قَتْل الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ، وَتَرْكَ قَتْل الْكَافِرِ جَائِزٌ ، لأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْتُل الأُْسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ تَرْكُهُ لِعَدَمِ قَتْل الْمُسْلِمِ أَوْلَى ، وَلأَِنَّ مَفْسَدَةَ قَتْل الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْل الْكَافِرِ . (5)
وَلَمْ نَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذَا إِلاَّ مَا قَالَهُ الدُّسُوقِيُّ عِنْدَ تَعْلِيقِهِ عَلَى قَوْل خَلِيلٍ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ ، فَقَال : وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِأَمْوَال الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ وَلاَ يُتْرَكُونَ . وَيَنْبَغِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ عَلَى مَنْ رَمَاهُمْ ، قِيَاسًا عَلَى مَا يُرْمَى مِنَ السَّفِينَةِ لِلنَّجَاةِ مِنَ الْغَرَقِ ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا إِتْلاَفُ مَالٍ لِلنَّجَاةِ . (6)
وهذه بعض تفاصيل التترس :
فالمراد بالترس في هذا الفصل هو أن يتخذ العدو طائفة من الناس بمثابة الترس يحمي بهم نفسه ، لأنه يعرف أن خصمه بسبب محافظته على أرواح هذه الطائفة المُتترس بها لن يقدم على ضربه أو الهجوم عليه .
(1) - حاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق 3 / 243 .
(2) - الإنصاف 4 / 129 .
(3) - حاشية الجمل 4 / 191 .
(4) - نهاية المحتاج 8 / 62 .
(5) - العناية على الفتح 4 / 287 .
(6) - حاشية الدسوقي 2 / 178 وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (4 / 216) فما بعد