تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ، ويحك ، لن تراعى

فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاع

فصبرا فى مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع

وفى الوقت الذي يتخذ فيه المحارب ، من الحرب النفسية درعا حصينة ، يتحصن بها ، من عوارض الخوف والخور ، التي تعرض له ـ فى الوقت الذي يفعل فيه هذا ـ يعمد إلى الهجوم على نفس عدوّه ، فيريه من بأسه وقوته قبل أن يلقاه ، ما ينخلع به قلبه ، وما تطير منه نفسه شعاعا ..

سئل عنترة بن شداد ـ الفارس العربي الجاهلي المعروف ـ سئل عن هذا الرعب الذي يملأ قلوب الأبطال منه ، وكيف يبلغ رعبهم منه إلى هذا الحدّ الذي يبطل عمل الأبطال ، ويشلُّ حركتهم ؟ فقال عنترة : « أبدأ القتال بأن أعمد إلى أي فارس من عامة الفرسان ، فأضربه ضربة ينخلع لها قلب الشجاع » !.

ولهذا كان من سياسة الحرب أن تكون الضربة الأولى ضربة يرمي فيها كلّ من المتحاربين بثقله كله ، حتى تقع الضربة موقعا قائما وراء تقدير العدو ، الذي ما كان يحسب حسابا لها من هذا الوجه .. وهنا تكثر دواعي البلبلة والاضطراب ، ثم التفكك والانحلال ، ثم الهزيمة والاستسلام ، إذا لم يكن الضارب قد تلقَّى ضربة كهذه الضربة .. وعندئذ تتعادل الكفتان ، ثم يكون الغلب لمن أمسك بالثقة والطمأنينة فى قلبه ، واحتمل فى صبر وجلد نار الحرب ، وأهوالها .. إنها الحرب ، وإنها ابتلاء في الأموال والأنفس والثمرات! إنها قتال وقتل ..!

يروى أن سائلا سأل عنترة : كيف كان منك أنك لم تفرّ في معركة قط ، على كثرة ما دخلت في معارك ، وما التقيت بأبطال ؟

فقال عنترة لسائله : أعطني يدك ، وخذ يدي ، وعضّ إبهامي وسأعض إبهامك!! ففعل الرجل ، وفعل عنترة .. ولكن سرعان ما صرخ الرجل! فبادره عنترة قائلا : « إنك لو لم تصرخ أنت لصرخت أنا » !! وبهذا تلقى الرجل الجواب الوافي الشافي على سؤاله.

إن عنترة إنسان قبل أن يكون بطلا ، فهو يخاف ، ويتألم ، ويكره أن يقتل ، أو يجرح .. شأنه فى هذا شأن الناس ، أبطالا ، وغير أبطال .. ولكنه لبس ثوب البطولة بصبره على المكاره ، أكثر من خصمه .. فلو أن خصم عنترة صبر صبره على المكروه ، الذي يسقيه كل منهما لصاحبه ـ لو أنه صبر هذا الصبر ، لما استسلم لعنترة ، بل وربما كان عنترة هو الذي يستسلم له.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ٥٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ٥٧١