تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهؤلاء المشركون سيظل المسلمون على عهدهم معهم ، ما داموا هم على الوفاء بعهدهم ، فإن بدا منهم ما يستشعر منه المسلمون غدرا أو خيانة ، نقضوا هذا العهد ، وقطعوا تلك المدة التي تضمنها العهد .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ».

وفى قوله تعالى : « كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ » تحذير للمؤمنين من أن يأمنوا جانب المشركين أيّا كانوا ، حتى هؤلاء الذين لم يظهر للمسلمين منهم غدر أو خيانة .. فذلك إن يكن وجه مقبول من وجوههم ، فإن وراء هذا الوجه وجوها كثيرة منكرة ، وإنه ليس بالمستبعد منهم أن يغدروا وأن يخونوا فى أية فرصة تسنح لهم .. وإنه لو أمكنتهم الفرصة فى المسلمين لم يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة ..و« الإلّ » القرابة .. كأنها مشتقة من الآل التي بمعنى الأهل والأقارب ..« والذمة » : العهد الذي يصير به كل من المتعاهدين فى ذمة الآخر ، أي فى ذمامه وحوطه ، بحيث لا يجىء إليه منه أذّى.والاستفهام فى قوله تعالى : « كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ » استبعاد من أن يبقى المشركون على عهد بينهم وبين المسلمين .. وإن كانت بينهم وبين المشركين قرابة نسب أو عهود موثقة ، والمستفهم عنده هنا محذوف ، لدلالة الحال عليه ، وهو : كيف يحفظون لكم عهدا ، وهم عداوة تمتلىء بها صدورهم بغضة وشنانا لكم ، حيث لا يجدون شفاءا لما فى صدورهم من هذا الداء إلا أن يأخذوكم بالبأساء والضرّاء ؟ ... فهم ـ والحال كذلك ـ لا يمسكون معكم بعهد إلا ربّما تمكنهم الفرصة فيكم ، وإذن فاحذروهم ، وكونوا منهم دائما على توقع الغدر بالعهد ، والتحفز للوثوب عليكم.

وفى قوله تعالى : « يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ». هو كشف للمؤمنين عمّا فى نفوس المشركين من عداوة وبغضاء لهم ، وأنهم إذا ألانوا الكلام مع المؤمنين ، وأسمعوهم طيّب الكلم ومعسول القول ، فإن ما فى صدورهم على خلاف هذا .. « وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ » أي خارجون عن الطبيعة السليمة للإنسان السليم. ومع هذا فإن قليلا منهم فبه بقيّة من خير ، يمكن أن تكون طريقا هاديا له إلى الحق ، والإيمان ، إذا هو عرف كيف ينتفع بها ، ولم يذهب بها ، مذهب الضياع والفساد ..

وقوله تعالى : « اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ».إشارة إلى أن هؤلاء الكافرين رغبوا عن آيات اللّه ، وأعرضوا عن الهدى الذي تحمله إلى من يتصل بها ، ورضوا بما هم فيه من حياة لاهية هازلة ..

« يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ».. لقد صدّوا عن سبيل اللّه ، فساء عملهم ، وضل سعيهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.وليس فى الأمر بيع ولا شراء .. ولكن لما كانت آيات اللّه فى معرض النظر لكل إنسان ، وكان من شأن هؤلاء المشركين أن يؤمنوا بها ، وأن يجعلوها بضاعتهم

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ٣٩٢