تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن قد نختلف معه في هذا الحجر , ولكننا لا نستطيع أن نتهمه بالدعوة إلى تحكيم المصالح المرسلة في النصوص , كما يريد العلمانيون ؛ فالنصوص يجب أن تعتبر وتحترم "مهما بدت مضرة في ظاهر الأمر , لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة" كما ورد في النص السابق إيراده قبل قليل .

هذا هو موقف محمد عبده على الحقيقة , وكما جاء في أعماله .. أما الصورة التي يرسمها له العلمانيون ففيها تحريف كثير .

فقد أرادوا هم أن يحرِّموا تعدد الزوجات , ليطوروا المجتمع كما يزعمون , وأرادوا أن يدعموا موقفهم بتزوير موقف محمد عبده وإظهاره على نحو يوافق أهواءهم .

إنك إذا قرأت ما كتبوه عن تعدد الزوجات تحس بأن محمد عبده قد دعا إلى تحريمه , أو أنه كان ينادى "بالخروج على جوهر الشريعة" , وأنه تبنى الفكرة القائلة بأننا يجب أن "نتناول تطبيق الشريعة الإسلامية ببعض التعديل الذي يلائم روح العصر" . (20)

فالرجل الذي لم يُجزْ لِبْس "البرنيطة" إلاّ على مضض , ينسبون إليه إطلاقَ القولِ جزافًا بتعديل الشريعة لتلائم روح العصر .. أي المدنية الغربية , وهذا التعديل معناه الخروج على النصوص , أو التعسف السقيم في تأويلها , ولا شيء غير ذلك .

ويزعم العلمانيون أن محمد عبده هو الأب الروحي لعدد من زعماء العلمانية (21) , والحق أنه لم يكن كذلك ؛ وإنما تتلمذ عليه رشيد رضا , ومصطفى صادق الرافعي , ومن بعدهم خلق كثير التزموا كتاب الله وسنَّة رسوله , ولم ينبهروا ببهارج المدنية الغربية فيقبلوا مبدأ التطوير "السائب" سعيًا إلى مسايرتها ؛ وأما المدرسة العلمانية أو التيار العلماني فمصدره دوائر أخرى.. وحتى لو رأوا فيه الأب الروحي لهم , فالذنب ذنبهم .. ولقد وجدوا في ابن القيم , والإمام مالك , والطوفى الحنبلي ؛ بل وعمر بن الخطاب أشياء تأولوها لصالح ضلالاتهم !

الخلاصة في أصول الحوار وأدب الاختلاف · الصفحة ٦٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أصول الحوار وأدب الاختلافص ٦٥٦