وقال ابن القيم رحمه الله: " فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له (يعني إبليس) من محبوب له تبارك وتعالى يتصل في حبه ما حصل به من مكروهه والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه إذا كان طريقا إلى حصول ذلك المحبوب ووجود الملزوم بدون لازمه محال فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من السرور والمعاصي ما حصل فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته وأحب شيء للحبيب أن يرى محبه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته:
من أجلك قد جعلت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضا
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: " أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: بِعَيْنَيَّ مَا يَتَحَمَّلُ الْمُتَحَمِّلُونَ مِنْ أَجْلِي، وَمَا يُكَابِدُ الْمُكَابِدُونَ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِي، فَكَيْفَ بِهِمْ إِذَا صَارُوا إِلَى دَارِي، وَتَبَحْبَحُوا فِي رِيَاضِ رَحْمَتِي، هُنَالِكَ فَلْيُبْشِرِ الْمُصَفُّونَ لِلَّهِ أَعْمَالَهُمْ بِالنَّظَرِ الْعَجِيبِ مِنَ الْحَبِيبِ الْقَرِيبِ، أَتُرَانِي أَنْسَى لَهُمْ عَمَلًا، فَكَيْفَ وَأَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أَجُودُ عَلَى الْمُوَلِّينَ عَنِّي، فَكَيْفَ بِالْمُقْبِلِينَ عَلَيَّ، وَمَا غَضِبْتُ عَلَى شَيْءٍ كَغَضَبِي عَلَى مَنْ أَخْطَأَ خَطِيئَةً فَاسْتَعْظَمَهَا فِي جَنْبِ عَفْوِي، لَوْ تَعَجَّلْتُ بِالْعُقُوبَةِ أَحَدًا، وَكَانَتِ الْعَجَلَةُ مِنْ شَأْنِي، لَعَجَّلْتُ لِلْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي، وَلَوْ رَآنِي خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ أَسْتَوْهِبُهُمْ مِمَّنِ اعْتَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَحْكُمُ لِمَنْ وَهَبَهُمْ بِالْخُلْدِ الْمُقِيمِ، مَا اتَّهَمُوا فَضْلِي وَكَرَمِي، فَكَيْفَ وَأَنَا الدَّيَّانُ الَّذِي لَا تَحِلُّ مَعْصِيَتِي، وَأَنَا الدَّيَّانُ الَّذِي أُطَاعُ بِرَحْمَتِي، وَلَا حَاجَةَ لِي بِهَوَانِ مَنْ خَافَ مَقَامِي، وَلَوْ رَآنِي عِبَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَيْفَ أَرْفَعُ قُصُورًا تَحَارُ فِيهَا الْأَبْصَارُ فَيَسْأَلُونِي لِمَنْ ذَا؟ فَأَقُولُ: لِمَنْ رَهِبَ مِنِّي، وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَى نَفْسِهِ مَعْصِيَتِي وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِي، وَإِنِّي مُكَافِئٌ عَلَى الْمَدْحِ، فَامْدَحُونِي " (1)
(1) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 60) و (9/ 255) و (10/ 80) و (10/ 92) وحسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (ص: 97) (90) وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 46) صحيح مقطوع