تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَتَخْرُجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُنْتَحِرِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ خَطَأً , فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَاتِلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْعَمْدِ , لِسُقُوطِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْخِطَابِ بِمَوْتِهِ , كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ , فَإِنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً وَلَمْ يَامُرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ بِكَفَّارَةٍ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ , بِدَلِيلِ قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ وَقَاتِلُ نَفْسِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ. كَذَلِكَ رَدَّ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ مُخْرِجٌ قَاتِلَ نَفْسِهِ , لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ الْكَفَّارَةِ , وَإِذَا بَطَلَ الْجُزْءُ بَطَلَ الْكُلُّ.

ثَالِثًا: غُسْلُ الْمُنْتَحِرِ:

28 - مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً , كَأَنْ صَوَّبَ سَيْفَهُ إلَى عَدُوِّهِ لِيَضْرِبَهُ بِهِ فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ نَفْسَهُ وَمَاتَ , غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ , كَمَا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الشُّهَدَاءِ. وَكَذَلِكَ الْمُنْتَحِرُ عَمْدًا , لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَقَ , وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِوُجُوبِ غُسْلِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَادَّعَى الرَّمْلِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَحَمْلُهُ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا , لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ , سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَاتِلُ نَفْسِهِ وَغَيْرُهُ.

رَابِعًا: الصَّلَاةُ عَلَى الْمُنْتَحِرِ:

29 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) أَنَّ الْمُنْتَحِرَ يُصَلَّى عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَلِمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ﴿صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ﴾ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ مُتَلَازِمَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , فَكُلُّ مَنْ وَجَبَ غُسْلُهُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ , وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَجِبْ غُسْلُهُ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ - وَهُوَ رَايٌ أَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ - لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ , لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: ﴿أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ﴾ وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ﴿أَنَّ رَجُلًا انْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَجُلٍ قَدْ مَاتَ قَالَ: وَمَا يُدْرِيك؟ قَالَ: رَأَيْته يَنْحَرُ نَفْسَهُ , قَالَ: أَنْتَ رَأَيْته؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ. إذَنْ لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ﴾. وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُنْتَحِرَ لَا تَوْبَةَ لَهُ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا , وَيُصَلِّي عَلَيْهِ سَائِرُ

الخلاصة في أحكام الشهيد · الصفحة ٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الشهيدص ٢٢٥