تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصنعة، وبديع المخلوقات، ليصلوا من رواء ذلك إلى الإيمان العميق، والإذعان التام، والاعتراف الكامل بواحدانية الله.

وعظيم قدرته. . .

فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون فى مخلوقات الله وما فيها من عجائب المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع - سبحانه -، فيعلموا أن لهذا الكون قادراً مدبراً حكيما، لأن عظم آثاره وأفعاله، تدل على عظم خالقها.

ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التى تحض على التفكير السليم، وعلى التدبر فى عجائب صنع الله، ومن ذلك قول سليمان الدارانى: " إنى أخرج من بيتى فما يقع بصرى على شىء إلا رأيت لله على فيه نعمة، ولى فيه عبرة "، وقال الحسن البصرى: " تفكر ساعة خير من قيام ليلة ".

وقال الفخر الرازى: دلائل التوحيد محصورة فى قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال - تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه فى هذه الآية بالفكر فى خلق السموات والأرض، لأن دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم ".

وقد وبخ - سبحانه - الذين يرون العبر فلا يعتبرون، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال - تعالى -: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم فى خلقه فقال:

﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن، وتفكرت عقولهم فى بدائع صنع الله تفكيرا سليما، استشعروا عظمة الله استشعاراً ملك عليهم جوراحهم، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم:

يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثاً، أو عاريا من الحكمة. أو خالياً من المصلحة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أى ننزهك تنزيها تاما عن كل ما لا يليق بك ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أى فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب النار.

وقوله ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ إلخ جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله أى يتفكرون قائلين ربنا. لأن هذا الكلام اريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.

وقوله: باطلا صفة لمصدر محذوف أى خلقاً باطلاً، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة،

الخلاصة في أحكام الشهيد · الصفحة ١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الشهيدص ١٢٥