فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ) إِلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، لأَِنَّ كُل صَلاَتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ.
وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. (1)
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ سُنِّيَّةَ أَوْ مَنْدُوبِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلاَتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَنْ يَكُونَ الْحَاجُّ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ الامَامِ، وَسَارَ مَعَ النَّاسِ أَوْ تَخَلَّفَ عَنْهُمُ اخْتِيَارًا، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الامَامِ يُصَلِّي كُلًّا مِنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي وَقْتِهَا.
وَقَالُوا: إِنْ وَقَفَ مَعَ الامَامِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ لِحَاقِ النَّاسِ فِي سَيْرِهِمْ لِمُزْدَلِفَةَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ يَجْمَعُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ.
وَإِذَا قُدِّمَتَا عَلَى النُّزُول بِمُزْدَلِفَةَ وَالْحَال أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْجَمْعِ لِكَوْنِهِ وَقْفَ مَعَ الامَامِ وَسَارَ مَعَ النَّاسِ. فَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعِيدُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهَا مِيقَاتًا.
وَقَال أَشْهَبُ: يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا إِنْ صَلاَّهَا قَبْل مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَالتَّاخِيرُ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ لاَ عَزِيمَةٌ. وَالاعَادَةُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ. (2)
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ بِعَدَمِ خَشْيَةِ فَوَاتِ وَقْتِ الاِخْتِيَارِ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْل فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَنِصْفُ اللَّيْل فِي الْوَجْهِ الاخَرِ، فَمَنْ خَافَ فَوَاتَ هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لاَ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بُغْيَةَ أَدَائِهَا فِي مُزْدَلِفَةَ، بَل يَجْمَعُ فِي الطَّرِيقِ.
وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ تَوَافُرَ شُرُوطِ السَّفَرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا أَبِي يُوسُفَ - وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَاخِيرَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ لأَِجْل أَدَائِهَا فِي مُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ، فَمَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْل أَنْ يَاتِيَ مُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا إِذَا أَتَى مُزْدَلِفَةَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرَ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ دُخُول وَقْتِهَا. (3)
(1) - المغني 3/ 418، 420، ومطالب أولي النهى 2/ 416 - 417، وكشاف القناع 2/ 496، والدسوقي 2/ 44، ومغني المحتاج 1/ 498، والمجموع 8/ 133، والفتاوى الهندية 1/ 230، وابن عابدين 2/ 177.
(2) - عقد الجواهر الثمينة 1/ 404، والدسوقي 2/ 44، والذخيرة 3/ 62، والقوانين الفقهية ص 138.
(3) - مغني المحتاج 1/ 498، والمجموع 8/ 133، والإيضاح للنووي ص295، وعقد الجواهر الثمينة 1/ 404، والدسوقي 2/ 44، والذخيرة 3/ 62، والقوانين الفقهية ص 138، والفتاوى الهندية 1/ 230، وابن عابدين 2/ 177.