وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ ثَالِثٍ إِلَى أَنَّ سَبَبَ الْجَمْعِ هُوَ أَصْل السِّفْرِ، فَيَجُوزُ لِلْمَكِّيِّ وَلاَ يَجُوزُ لأَِهْل عَرَفَةَ. (1)
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ - أَيْ تَقْدِيمِ الْعَصْرِ عَلَى وَقْتِهَا وَأَدَائِهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ - شَرَائِطَ:
مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ مُرَتَّبَةً عَلَى ظُهْرٍ جَائِزٍ اسْتِحْسَانًا، فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْل الزَّوَال عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ نَزَلَتْ، وَالْعَصْرَ بَعْدَهُ، أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَالصَّلاَتَيْنِ اسْتِحْسَانًا.
وَمِنْهَا: الْوَقْتُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالْمَكَانُ، وَهُوَ عَرَفَاتٌ.
وَمِنْهَا: إِحْرَامُ الْحَجِّ. قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلاَتَيْنِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ عِنْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ وَمُحْرِمًا بِالْحَجِّ عِنْدَ أَدَاءِ الْعَصْرِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ. ثُمَّ لاَ بُدَّ مِنَ الاحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْل الزَّوَال فِي رِوَايَةٍ، تَقْدِيمًا لِلاحْرَامِ عَلَى وَقْتِ الْجَمْعِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُكْتَفَى بِالتَّقْدِيمِ عَلَى الصَّلاَةِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الصَّلاَةُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَمِنْهَا: الْجَمَاعَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ فِي رَحْلِهِ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالاَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْمُنْفَرِدُ. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَالصَّحِيحُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَوْ فَاتَتَاهُ مَعَ الامَامِ أَوْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا صَلَّى الْعَصْرَ لِوَقْتِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الامَامُ هُوَ الامَامَ الاعْظَمَ أَوْ نَائِبَهُ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ لاَ مَعَ الامَامِ، وَالْعَصْرَ مَعَ الامَامِ، لَمْ يُجْزِ الْعَصْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحِمَهُ اللهُ. (2)
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمُذَهَّبُ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ
(1) - هداية السالك لابن جماعة 3/ 992.
(2) - الفتاوى الهندية 1/ 228 ـ 229، وانظر ابن عابدين 2/ 174، واللباب 1/ 189.