وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الامَامِ الشَّافِعِيِّ وَالاصْحَابِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الْحُضُورُ فِي جُزْءٍ مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ، سَوَاءٌ حَضَرَهَا عَمْدًا أَوْ وَقَفَ مَعَ الْغَفْلَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّحَدُّثِ وَاللَّهْوِ وَفِي حَالَةِ النَّوْمِ، أَوِ اجْتَازَ فِيهَا فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَاتٌ، فَيَصِحُّ وُقُوفُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَحْوِهَا. (1)
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَصْل عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الْمَارَّ بِهَا بَعْدَ دَفْعِ الامَامِ، حَيْثُ يَشْتَرِطُونَ لِصِحَّةِ وُقُوفِهِ أَنْ يَنْوِيَ الْوُقُوفَ وَيَعْلَمَ بِأَنَّهُ مَارٌّ عَلَى عَرَفَةَ. (2)
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وُجُوبَ إِفْرَادِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِالنِّيَّةِ. (3)
وَقَال أَبُو ثَوْرٍ: لاَ يُجْزِئُهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ وَاقِفًا بِإِرَادَةٍ. (4)
سُنَنُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
أ - الْغُسْل لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
18 ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الاِغْتِسَال لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ إِذَا رَاحُوا لِعَرَفَةَ.
فَعَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْغُسْلِ قَالَ: اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ. فَقَالَ: لاَ الْغُسْلُ الَّذِى هُوَ الْغُسْلُ قَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ. (5).
وَلِمَا رويَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ. (6).
وَلأَِنَّهُ قُرْبَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا الْخَلْقُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَشُرِعَ لَهَا الْغُسْل كَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الاِغْتِسَال لِيَوْمِ عَرَفَةَ مُسْتَحَبٌّ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْغُسْل فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. (7)
(1) - المجموع 8/ 103.
(2) - حاشية الدسوقي 2/ 37.
(3) - روضة الطالبين 3/ 95، والمجموع 8/ 103.
(4) - المغني 3/ 416.
(5) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 278) (6343) صحيح
(6) - موطأ مالك (710) 323/ 1 صحيح
(7) - حاشية الطحاوي على مراقى الفلاح ص 400، والمغني لابن قدامة 3/ 367، 372، والفواكه الدواني 1/ 420، والمجموع للنووي 8/ 90، 97، ومسند الإمام الشافعي مع الأم 8/ 470، وحاشية الباجوري على ابن قاسم 1/ 117 ـ 121، وكشاف القناع 2/ 492، وعقد الجواهر الثمينة 1/ 402.