وقد يعرف الإنسان شيئاً عن حاضره، وقد يذكر طرفاً من ماضيه وما وراء ذلك فهو بالنسبة له عمى ، بيد أن الإنسان لا يذكر من ماضيه الطويل إلا قليلاً من الحوادث، ولا يدري من تأريخ العالم الذي يعيش فيه شيئاً طويلاً لكن الله وحده يحصي أعمالنا الماضية ساعة ساعة، ويسجل أحوال العالم العابرة دولة دولة ، وحادثة حادثة. ولقد قال فرعون لموسى ـ عليه السلام ـ كما حكى القرآن: ?قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى(51)قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى?[طه: 51-52] .
والله سبحانه يعلم دقائق هذا الكون وخفاياه : ?وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ?[الأنعام: 59] . فالعلم الإلهي يهيمن على أطوار الموجودات هيمنة كاملة ، يحيط بعدد ما في صحاري الأرض من رمال، وعدد ما في بحار الدنيا من قطرات، وعدد ما في الأشجار من ورقات , وعدد ما في الأغصان من ثمار، وما في السنابل من حبوب، وما في رؤوس البشر وجلودهم من شعر ، إنه العلم الشامل المحيط بكل شيء.
قد ينير الله بعض العقول بحقائق يسيرة ـ على قدر طاقتها ـ من المعارف الكونية، أو رشحات ضئيلة من الغيوب الخفية، حسب قواعد مدروسة ، وحكم مأنوسة، وما وصل إليه البشر من ذلك مقرر معروف. وما أوتوا إلا القليل، أما الله عز وجل فهو كما قال في كتابه :